من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر المشاهد المباركة بالبصرة
فمنها مشهد طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم وهو بداخل المدينة وعليه قبة ومسجد وزاوية، فيها الطعام للوارد والصادر، وأهل البصرة يعظمونه تعظيمًا شديدًا — وحَقَّ له. ومنها مشهد الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته رضي الله عنهما وهو بخارج البصرة ولا قبة عليه، وله مسجد وزاوية فيها الطعام لأبناء السبيل.
ومنها قبر حليمة السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة رضي الله عنها، وإلى جانبها قبر ابنها رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنها قبر أبي بكرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قبة، وعلى ستة أميال منها بقرب وادي السباع قبر أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا سبيل لزيارته إلا في جَمْع كثيف لكثرة السباع وعدم العمران، ومنها قبر الحسن بن أبي الحسن البصري سيد التابعين رضي الله عنه، ومنها قبر محمد بن سيرين رضي الله عنه، ومنها قبر محمد بن واسع رضي الله عنه، ومنها قبر عتبة الغلام رضي الله عنه، ومنها قبر مالك بن دينار رضي الله عنه، ومنها قبر حبيب العجمي رضي الله عنه، ومنها قبر سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه، وعلى كل قبر منها قبة مكتوب فيها اسم صاحب القبر ووفاته، وذلك كله داخل السور القديم وهي اليوم بينها وبين البلد نحو ثلاثة أميال وبها سوى ذلك قبور الجم الغفير من الصحابة والتابعين المستشهدين يوم الجمل، وكان أمير البصرة حين ورودي عليها يُسَمَّى بركن الدين العجمي التوريزي أضافني فأحسن إلي، والبصرة على ساحل الفرات والدجلة وبها المد والجزر كمثل ما هو بوادي سلا من بلاد المغرب وسواه والخليج المالح الخارج من بحر فارس على عشرة أميال منها، فإذا كان المدُّ غَلَبَ الماء المالح على العذب، وإذا كان الجزر غَلَبَ الماء الحلو على المالح فيستسقي أهل البصرة الماء لدورهم؛ ولذلك يقال: إن ماءهم زعاق، وقال ابن جزي: وبسبب ذلك كان هواء البصرة غير جيد وألوان أهلها مصفرة كاسفة حتى ضُرِبَ بهم المثل، وقال بعض الشعراء — وقد أحضرت بين يدي الصاحب أترجة (سريع):
لله أترج غدا بيننامعبرًا عن حال ذي عبرة
لما كسا الله ثياب الضناأهل الهوى وساكني البصرة
(رجع)، ثم رَكِبْتُ من ساحل البصرة في صنبوق — وهو القارب الصغير — إلى الأبلة وبينها وبين البصرة عشرة أميال في بساتين متصلة ونخيل مظللة عن اليمين واليسار، والبياعة في ظلال الأشجار يبيعون الخبز والسمك والتمر واللبن والفواكه، وفيما بين البصرة والأبلة متعبَّد سهل بن عبد الله التستري، فإذا حاذاه الناس بالسفن تراهم يشربون الماء مما يحاذيه من الوادي، ويَدْعُون عند ذلك تبركًا بهذا الولي رضي الله عنه، والنواتية يحرفون في هذه البلاد وهم قيام، وكانت الأبلة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند وفارس فخربت، وهي الآن قرية بها آثار قصور وغيرها دالة على عظمها، ثم رَكِبْنَا في الخليج الخارج من بحر فارس في مركب صغير لرجل من أهل الأبلة يسمى بمغامس، وذلك فيما بعد المغرب فصبحنا عبادان وهي قرية كبيرة في سبخة لا عمارة بها، وفيها مساجد كثيرة ومتعبدات ورباطات للصالحين، وبينها وبين الساحل ثلاثة أميال، قال ابن جزي: عبادان كانت بلدًا فيما تَقَدَّمَ وهي مُجْدِبة لا زَرْع بها، وإنما يُجْلَب إليها، والماء أيضًا بها قليل، وقد قال فيها بعض الشعراء (سريع):
من مُبْلِغ أندلسًا أننيحلَلْتُ عبادان أقصى الثرا
أوحش ما أبصرت لكننيقصدت فيها ذِكْرَها في الورى
الخبز فيها يتهادَوْنَهوشربة الماء بها تُشْتَرَى
(رجع)، وعلى ساحل البحر منها رابطة تُعْرَف بالنسبة إلى الخَضِر وإلياس عليهما السلام وبإزائها زاوية يسكنها أربعة من الفقراء بأولادهم يخدمون الرابطة والزاوية ويتعيشون من فتوحات الناس، وكل مَنْ يَمُرُّ بهم يتصدق عليهم، وذَكَرَ لي أهل هذه الزاوية أن بعبادان عابدًا كبير القدر ولا أنيس له يأتي هذا البحر مرة في الشهر، فيصطاد فيه ما يقوته شهرًا، ثم لا يُرَى إلا بعد تمام شهر، وهو على ذلك منذ أعوام، فلما وَصَلْنَا عبادان لم يَكُن لي شأن إلا طلبه، فاشتغل من كان معي بالصلاة في المساجد والمتعبدات وانطلقت طالبًا له فجئت مسجدًا خربًا فوجدته يصلي فيه فجلست في جانبه فأوجز في صلاته، ولما سلم أخذ بيدي وقال لي: بَلَّغَكَ الله مرادك في الدنيا والآخرة، فقد بلغت — بحمد الله — مرادي في الدنيا، وهو السياحة في الأرض، وبلغت من ذلك ما لم يَبْلُغْه غيري فيما أعلمه، وبَقِيَت الأخرى، والرجاء قوي في رحمة الله وتجاوُزه وبلوغ المراد من دخول الجنة، ولما أَتَيْتُ أصحابي أَخْبَرْتُهُمْ خَبَرَ الرجل وأَعْلَمْتُهُم بموضعه، فذهبوا إليه فلم يجدوه ولا وقعوا له على خبر، فعَجِبُوا من شأنه وعُدْنَا بالعشي إلى الزاوية، فبتنا بها ودَخَلَ علينا أحد الفقراء الأربعة بعد صلاة العشاء الآخرة، ومن عادة ذلك الفقير أن يأتي عبادان كل ليلة فيسرج السرج بمساجدها ثم يعود إلى زاويته، فلما وَصَلَ إلى عبادان وَجَدَ الرجل العابد فأعطاه سمكة طرية، وقال له: أَوْصِل هذه إلى الضيف الذي قَدِمَ اليوم، فقال لنا الفقير عند دخوله علينا: من رأى منكم الشيخ اليوم؟ فقلت له: أنا رأيته، فقال: يقول لك: هذه ضيافتك، فشَكَرْتُ الله على ذلك، وطَبَخَ لنا الفقير تلك السمكة فأكلنا منها أجمعون، وما أَكَلْتُ قط سمكًا أطيب منها، وهجس في خاطري الإقامة بقية العمر في خدمة ذلك الشيخ، ثم صَرَفَتْني النفس اللَّجُوج عن ذلك، ثم رَكِبْنا البحر عند الصبح بقَصْد بلدة ماجول، ومن عادتي في سفري أن لا أعود على طريقٍ سَلَكْتُها ما أمكنني ذلك، وكنت أُحِبُّ قَصْد بغداد العراق، فأشار علي بعض أهل البصرة بالسفر إلى أرض اللور ثم إلى عراق العجم ثم إلى عراق العرب، فعملت بمقتضى إشارته.
ووصلنا بعد أربعة أيام إلى بلدة ماجول على وزن فاعول وجيمها معقودة، وهي صغيرة على ساحل هذا الخليج الذي ذَكَرْنا أنه يخرج من بحر فارس، وأرضها سبخة لا شجر فيها ولا نبات، ولها سوق عظيمة من أكبر الأسواق، وأقمت بها يومًا واحدًا، ثم اكتريت دابة لركوبي من الذين يَجْلِبُون الحبوب من رامز إلى ماجول، وسِرْنا ثلاثًا في صحراء يسكنها الأكراد في بيوت الشعر، ويقال: إن أصلهم من العرب، ثم وَصَلْنا إلى مدينة رامز، وأول حروفها (راء وآخرها زاي وميمها مكسورة)، وهي مدينة حسنة ذات فواكه وأنهار، ونزلنا بها عند القاضي حسام الدين محمود، ولقيت عنده رجلًا من أهل العلم والدين والورع هندي الأصل يُدْعى بهاء الدين ويُسَمَّى إسماعيل، وهو من أولاد الشيخ بهاء الدين أبي زكريا الملتاني، وقرأ على مشايخ توريز وغيرها، وأقمْتُ بمدينة رامز ليلة واحدة، ثم رحلنا منها ثلاثًا في بسيط فيه قرًى يسكنها الأكراد، وفي كل مرحلة منها زاوية فيها للوارد الخبز واللحم والحلواء، وحلواؤهم من رب العنب مخلوط بالدقيق والسمن، وفي كل زاوية الشيخ والإمام والمؤذنون والخادم للفقراء والعبيد، والخدم يطبخون الطعام، ثم وَصَلْتُ إلى مدينة تستر وهي آخر البسيط من بلاد أتابك وأول الجبال، مدينة كبيرة رائقة نضرة وبها البساتين الشريفة والرياض المنيفة، ولها المحاسن البارعة والأسواق الجامعة، وهي قديمة البناء افتتحها خالد بن الوليد، ووالي هذه المدينة ينسب سهل بن عبد الله، ويحيط بها النهر المعروف بالأزرق، وهو عجيب في نهاية من الصفا شديد البرودة في أيام الحر، ولم أَرَ كزُرْقَتِهِ إلا نهر بلخشان، ولها باب واحد للمسافرين يُسَمَّى دروازة دسبول، والدروازة عندهم الباب، ولها أبواب غيره شارعة إلى النهر، وعلى جانِبَي النهر البساتين والدواليب، والنهر عميق، وعلى باب المسافرين منه جسر على القوارب كجسر بغداد والحلة، قال ابن حزي: وفي هذا النهر يقول بعضهم (كامل):
انظر لشاذر وأن تستر واعجبمن جمعه ماء لري بلادِهِ
كَمَيْتِ قوم جُمِّعَتْ أموالهفغدا يُفَرِّقه على أجنادِهِ
والفواكه بتستر كثيرة والخيرات متيسرة غزيرة ولا مِثْل لأسواقها في الحسن، وبخارجها تربة معظمة يقصدها أهل تلك الأقطار للزيارة ويَنْذُرون لها النذور، ولها زاوية بها جماعة من الفقراء، وهم يزعمون أنها تربة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان نزولي من مدينة تستر في مدرسة الشيخ الإمام الصالح المتفنن شرف الدين بن موسى ابن الشيخ الصالح الإمام العالم صدر الدين سليمان وهو من ذرية سهل بن عبد الله، وهذا الشيخ ذو مكارم وفضائل جامع بين العلم والدين والصلاح والإيثار، وله مدرسة وزاوية وخدامها فتيان له أربعة: سنبل وكافور وجوهر وسرو، أحدهم موكل بأوقاف الزاوية، والثاني متصرِّف فيما يحتاج إليه من النفقات في كل يوم، والثالث خديم السماط بين أيدي الواردين ومرتِّب الطعام لهم، والرابع موكل بالطباخين والسقائين والفراشين، فأقمت عنده ستة عشر يومًا، فلم أرَ أعجب من ترتيبه ولا أَرْغَدَ من طعامه، يُقَدِّم بين يدي الرجل ما يكفي الأربعة من طعام الأرز المفلفل المطبوخ في السمن والدجاج المقلي والخبز واللحم والحلواء، وهذا الشيخ من أحسن الناس صورة وأقومهم سيرة، وهو يَعِظُ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع، ولَمَّا شاهَدْتُ مَجَالِسَه في الوعظ صغر لدي كل واعظ رأيته قبله بالحجاز والشام ومصر، ولم ألْقَ فيمن لقيتهم مثله، حضرت يومًا عنده ببستان له على شاطئ النهر، وقد اجتمع فقهاء المدينة وكبراؤها وأتى الفقراء من كل ناحية فأَطْعَمَ الجميع، ثم صلى بهم صلاة الظهر، وقام خطيبًا وواعظًا بعد أن قرأ القراء أمامه بالتلاحين المبكية والنغمات المحركة المهيجة، وخَطَبَ خطبة بسكينة ووقار وتصرف في فنون العلم من تفسير كتاب الله وإيراد حديث رسول الله والتكلم على معانيه، ثم تَرَامَتْ عليه الرقاع من كل ناحية، ومن عادة الأعاجم أن يكتبوا المسائل في رقاع ويرمونها إلى الواعظ فيجيب عنها، فلما رُمِيَ إليه بتلك الرقاع جَمَعَهَا في يده وأَخَذَ يجيب عنها واحدة بعد واحدة بأبدع جواب وأحسنه، وحان وقت صلاة العصر فصلى بالقوم وانصرفوا، وكان مجلسه مَجْلِسَ عِلْم ووَعْظ وبركة، وتَبَادَرَ التائبون فأَخَذَ عليهم العهد وجَزَّ نواصيهم، وكانوا خمسة عشر رجلًا من الطلبة، قَدِمُوا من البصرة برسم ذلك، وعشرة رجال من عوام تستر.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع