تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

مدينة البصرة

فنزلنا بها رباط مالك بن دينار، وكنت رأيت عند قدومي عليها على نحو مِيلَيْنِ منها بناء عاليًا مثل الحصن، فسألت عنه، فقيل لي: هو مسجد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانت البصرة من اتساع الخطة وانفساح الساحة بحيث كان هذا المسجد في وسطها وبينه الآن وبينها ميلان، وكذلك بينه وبين السور الأول المحيط بها نحو ذلك فهو مرتبط بينهما، ومدينة البصرة إحدى أمهات العراق الشهيرة الذِّكْر في الآفاق الفسيحة الأرجاء المؤنقة الأفناء ذات البساتين الكثيرة والفواكه الأثيرة توفر قسمها من النضارة والخصب لما كانت مَجْمَعَ البحرين الأُجَاج والعَذْب، وليس في الدنيا أكثر نخلًا منها فيباع التمر في سوقها بحساب أربعة عشر رطلًا عراقية بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة، ولقد بُعِثَ إلى قاضيها حجة الدين بقوصرة تمرٌ يحملها الرجل على تَكَلُّف، فأردْتُ بيعها فبيعت بتسعة دراهم، أخذ الحمال منها ثلثها عن أجرة حَمْلِها من المنزل إلى السوق، ويُصْنَع بها من التمر عسل يسمى السيلان وهو طَيِّب كأنه الجلاب، والبصرة ثلاث محلات: إحداها محلة هذيل، وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير من الكرماء الفضلاء، أضافني وبعث إلي بثيابٍ ودراهم، والمحلة الثانية محلة بني حرام، كبيرها السيد الشريف مجد الدين موسى الحسني ذو مكارم وفواضل، أضافني وبعث إلي التمر والسيلان والدراهم، والمحلة الثالثة محلة العجم، كبيرها جمال الدين ابن اللوكي، وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وإيناس للغريب وقيام بحقه فلا يستوحش فيما بينهم غريب، وهم يُصَلُّون الجمعة في مسجد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الذي ذَكَرْتُهُ، ثم يُسَدُّ فلا يأتونه إلا في الجمعة، وهذا المسجد من أحسن المساجد، وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يؤتى بها من وادي السباع، وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لما قُتِلَ وأثر تغييره الدم في الورقة التي فيه قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.