من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
مدينة واسط
وهي حسنة الأقطار كثيرة البساتين والأشجار، بها أعلام يهدي الخير شاهدهم وتهدي الاعتبار مشاهدهم، وأهلها من خيار أهل العراق، بل هم خيرهم على الإطلاق، أكثرهم يحفظون القرآن الكريم ويجيدون تجويده بالقراءة الصحيحة، وإليهم يأتي أهل بلاد العراق برسم تَعَلُّم ذلك، وكان في القافلة التي وَصَلْنَا فيها جماعة من الناس أتوا برسم تجويد القرآن على من بها من الشيوخ، وبها مدرسة عظيمة حافلة فيها نحو ثلاثمائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعلُّم القرآن، عَمَرَهَا الشيخ تقي الدين عبد المحسن الواسطي، وهو من كبار أهلها وفقهائها، ويعطي لكل متعلِّم بها كسوة في السنة، ويُجْرِي له نفقته في كل يوم ويقعد هو وإخوانه وأصحابه لتعليم القرآن بالمدرسة، ولقد لَقِيتُه وأضافني وزودني تمرًا ودراهم.
ولما نزلنا مدينة واسط أقامت القافلة ثلاثًا بخارجها للتجارة فسنح لي زيارة قبر الولي أبي العباس أحمد الرفاعي، وهو بقرية تُعْرَف بأم عبيدة على مسيرة يوم من واسط، فطلَبْتُ من الشيخ تقي الدين أن يَبْعَثَ معي من يوصلني إليها، فبعث معي ثلاثة من عرب بني أسد وهم قُطَّان تلك الجهة، وأركبني فرسًا له، وخرجت ظُهْرًا فبتُّ تلك الليلة بحوش بني أسد، ووَصَلْنا في ظُهْر اليوم الثاني إلى الرواق، وهو رباط عظيم فيه آلاف من الفقراء، وصادَفْنا به قدوم الشيخ أحمد كوجك حفيد ولي الله أبي العباس الرفاعي الذي قَصَدْنا زيارته وقد قدم من موضع سكناه من بلاد الروم برسم زيارته قبر جده وإليه انتهت الشياخة بالرواق، ولما انقضت صلاة العصر ضُرِبَت الطبول والدفوف وأَخَذَ الفقراء في الرقص، ثم صَلَّوا المغرب وقدموا السماط وهو خبز الأرز والسمك واللبن والتمر فأكَّلُوا الناس، ثم صلوا العشاء الآخرة وأخذوا في الذكر والشيخ أحمد قاعد على سجادة جَدِّه المذكور، ثم أخذوا في السماع وقد أعدوا أحمالًا من الحطب فأججوها نارًا ودخلوا في وسطها يرقصون، ومنهم من يتمرَّغ فيها، ومنهم من يأكلها بفمه حتى أطفئوها جميعها وهذا دأبهم، وهذه الطائفة الأحمدية مخصوصون بهذا، وفيهم من يأخذ الحية العظيمة فيعض بأسنانه على رأسها حتى يقطعه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع