من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر شعائر الحج وأعماله
وإذا كان في أول يوم شهر ذي الحجة تُضْرَب الطبول والدبادب في أوقات الصلوات بكرة وعشية إشعارًا بالموسم المبارك، ولا تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات، فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب الخطيب إثر صلاة الظهر خطبة بليغة يُعَلِّم الناس فيها مناسكهم ويُعْلِمُهم بيوم الوقفة، فإذا كان اليوم الثامن بَكَّرَ الناس بالصعود إلى منًى، وأمراء مصر والشام والعراق وأهل العلم يبيتون تلك الليلة بمنًى، وتقع المباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، ولكن الفضل في ذلك لأهل الشام دائمًا، فإذا كان اليوم التاسع رحلوا من منًى بعد صلاة الصبح إلى عرفة، فيمرون في طريقهم بوادي محسر، ويهرولون وذلك سُنَّة، ووادي محسر هو الحد ما بين مزدلفة ومنًى، ومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين وحولها مصانع وصهاريج للماء مما بنته زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد، وبين منًى وعرفة خمسة أميال، وكذلك بين منًى ومكة أيضًا خمسة أميال، ولعرفة ثلاثة أسماء وهي: عرفة، وجمع، والمشعر الحرام، وعرفات بسيط من الأرض فسيح أفيح تحدق به جبال كثيرة، وفي آخر بسيط عرفات جبل الرحمة، وفيه الموقف وفيما حوله والعلمان قبله بنحو ميل وهما الحد ما بين الحل والحرم، وبمقربة منهما مما يلي عرفة بطن عرنة الذي أَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بالارتفاع عنه ويجب التحفظ منه، ويجب أيضًا الإمساك عن النفور حتى يتمكن سقوط الشمس، فإن الجَمَّالين ربما استحثوا كثيرًا من الناس وحَذَّرُوهم الزحام في النفر واستدرجوهم إلى أن يصلوا بهم بطن عرنة فيَبْطُل حِجُّهم.
وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تُنْسَب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يُشْرِف على بسيط عرفات، وفي قبليه جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيه الناس، وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تُنْسَب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء، وبمقربة منه الموضع الذي يقف فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر، وعن يسار العلمين للمستقبل أيضًا وادي الأراك وبه أراك أخضر يمتد في الأرض امتدادًا طويلًا، وإذا حان وقت النفر أشار الإمام المالكي بيده ونزل عن موقفه فدفع الناسَ بالنفر دفعة ترتج لها الأرض وترجف الجبال، فيا له موقفًا كريمًا ومشهدًا عظيمًا ترجو النفوس حُسْن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه، جَعَلَنا الله ممن خصه فيه برضاه، وكانت وقفتي الأولى يوم الخميس سنة ست وعشرين وأمير الركب المصري يومئذ أرغون الدوادار نائب الملك الناصر.
وحجَّتْ في تلك السنة ابنة الملك الناصر وهي زوجة أبي بكر بن أرغون المذكور، وحجَّتْ فيها زوجة الملك الناصر المسماة بالخوندة، وهي بنت السلطان المعظم محمد أوزبك ملك السرا وخوارزم وأمير الركب الشامي سيف الدين الجوبان، ولما وَقَعَ النفر بعد غروب الشمس وصلنا مزدلفة عند العشاء الآخرة، فصلَّيْنا بها المغرب والعشاء جمعًا بينهما حسبما جَرَتْ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما صَلَّيْنا الصبح بمزدلفة غَدَوْنَا منها إلى منًى بعد الوقوف والدعاء بالمشعر الحرام، ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، ففيه تقع الهرولة حتى يخرج عنه، ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار وذلك مستحب، ومنهم من يلقطها حول مسجد الخيف والأمر في ذلك واسع، ولما انتهى الناس إلى منًى بادَروا لرمي جمرة العقبة، ثم نحروا وذبحوا، ثم حلقوا وحلُّوا من كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة، ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر، ولما رموها تَوَجَّه أكثر الناس بعد أن ذبحوا وحلقوا إلى طواف الإفاضة، ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني، وفي اليوم الثاني رمى الناس عند زوال الشمس بالجمرة الأولى سبع حصيات، وبالوسطى كذلك، ووقفوا للدعاء بهاتين الجمرتين اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما كان اليوم الثالث تَعَجَّلَ الناس الانحدار إلى مكة شَرَّفَها الله بعد أن كَمُلَ لهم رَمْي تسع وأربعين حصاة، وكثير منهم أقام اليوم الثالث بعد يوم النحر حتى رمى سبعين حصاة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع