تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر عادتهم في شهر رمضان المعظم

وإذا أهل هلال رمضان تُضْرَب الطبول والدبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نورًا ويسطع بهجةً وإشراقًا، وتَتَفَرَّق الأئمة فرقًا وهم الشافعية والحنفية والحنبلية والزيدية، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع، ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتجُّ المسجد لأصوات القراء وترق النفوس وتحضر القلوب وتهمل الأعين، ومن الناس من يقتصر على الطواف والصلاة في الحجر منفردًا، والشافعية أكثر الأئمة اجتهادًا، وعاداتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة — وهي عشرون ركعة — يطوف إمامهم وجماعته، فإذا فرغ من الأسبوع ضُرِبَت الفرقعة التي ذَكَرْنا أنها تكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة، كأن ذلك إعلامًا بالعودة إلى الصلاة، ثم يصلي ركعتين ثم يطوف أسبوعًا، هكذا إلى أن يُتِمَّ عشرين ركعة أخرى، ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون، وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئًا، وإذا كان وقْت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم، فيقوم داعيًا ومذكرًا ومحرضًا على السحور، والمؤذنون في سائر الصوامع، فإذا تكلم أحد منهم أجابه صاحبه، وقد نُصِبَتْ في أعلى كل صومعة خشبة على رأسها عود معترض قد عُلِّقَ فيه قنديلان من الزجاج كبيران يقدان، فإذا قَرُبَ الفجر ووَقَعَ الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط القنديلان وابتدأ المؤذنون بالأذان، وأجاب بعضهم بعضًا.

ولديار مكة — شَرَّفَها الله — سطوح، فمن بَعُدَتْ داره بحيث لا يسمع الأذان يُبْصِر القنديلين المذكورين فيتسحر، حتى إذا لم يُبْصِرْهما أَقْلَعَ عن الأكل، وفي كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن، ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة، فإذا ختم نُصِبَ له منبر مُزَيَّن بالحرير وأُوْقِد الشمع وخَطَبَ، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات، وكذلك يصنعون في جميع ليالي الوتر، وأعظم تلك الليالي عندهم ليلة سبع وعشرين، واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويختم بها القرآن العظيم خلف المقام الكريم، وتقام إزاء حطيم الشافعية خشب عظام توصل بالحطيم وتُعْرَض بينها ألواح طوال وتُجْعَل ثلاث طبقات وعليها الشمع وقنديل الزجاج، فيكاد يغشي الأبصار شعاع الأنوار، ويتقدم الإمام فيصلي فريضة العشاء الآخرة، ثم يبتدئ قراءة سورة القدر وإليها يكون انتهاء قراءة الأئمة في الليلة التي قبلها، وفي تلك الساعة يمسك جميع الأئمة عن التراويح تعظيمًا لختمة المقام ويحضرونها متبركين، فيختم الإمام في تسليمتين، ثم يقوم خطيبًا مستقبل المقام، فإذا فَرَغَ من ذلك عاد الأئمة إلى صلاتهم، وانفض الجمع، ثم يكون الختم ليلة تسع وعشرين في المقام المالكي في منظر مختصر، وعن المباهاة مُنَزَّه موقَّر، فيختم ويخطب.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.