من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية في فضله: حكاية
كان الشيخ سعيد قد قصد ملك الهند محمد شاه فأعطاه مالًا عظيمًا قَدِمَ به مكة، فسَجَنَه الأمير عطيفة وطلبه بأداء المال، فامتنع فعُذِّبَ بعصر رجليه، فأعطى خمسة وعشرين ألف درهم نقرة، وعاد إلى بلاد الهند ورأيته بها، ونزل بدار الأمير سيف الدين غدا بن هبة الله بن عيسى بن مهنى أمير عرب الشام، وكان غدا ساكنًا ببلاد الهند، متزوجًا بأخت ملكها، وسيُذْكَر أَمْرُه، فأعطى ملكُ الهند للشيخ سعيد جملةَ مال وتوجَّه صحبة حاجٍّ يُعْرَف بوشل من ناس الأمير غدا وجَّهَهُ الأمير المذكور ليأتيه ببعض ناسه ووَجَّهَ معه أموالًا وتحفًا منها الخلعة التي خلعها عليه ملك الهند ليلة زفافه بأخته، وهي من الحرير الأزرق مزركشة بالذهب ومرصعة بالجوهر بحيث لا يظهر لونها لغلبة الجوهر عليها وبعث معه خمسين ألف درهم ليشتري له الخيل العتاق، فسافر الشيخ سعيد صحبة وشل واشتريا سلعًا بما عندهما من الأموال، فلما وصلا جزيرة سقطرة المنسوب إليها الصبر السقطري خرج عليهما لصوص الهند في مراكب كثيرة فقاتلوهم قتالًا شديدًا مات فيه من الفريقين جملة، وكان وشل راميًا فقَتَلَ منهم جماعة ثم تَغَلَّبَ السُّرَّاق عليهم وطعنوا وشلًا طعنة مات منها بعد ذلك، وأخذوا ما كان عندهم، وتركوا لهم مركبهم بآلة سفره وزادِه فذهبوا إلى عدن ومات بها وشل.
وعادة هؤلاء السُّرَّاق أنهم لا يقتلون أحدًا إلا حين القتال ولا يغرقونه، وإنما يأخذون ماله ويتركونه يذهب بمركبه حيث شاء ولا يأخذون المماليك؛ لأنهم من جنسهم، وكان الحاج سعيد قد سَمِعَ من ملك الهند أنه يريد إظهار الدعوة العباسية ببلده كمثل ما فَعَلَهُ ملوك الهند ممن تقدمه مثل السلطان شمس الدين لَلْمِش واسمه «بفتح اللام الأولى وإسكان الثانية وكسر الميم وشين معجم»، وولده ناصر الدين ومثل السلطان جلال الدين فيروز شاه والسلطان غياث الدين بلبن وكانت الخلع تأتي إليهم من بغداد، فلما تُوُفِّيَ وشل قَصَدَ الشيخ سعيد إلى الخليفة أبي العباس ابن الخليفة أبي الربيع سليمان العباسي بمصر وأعلمه بالأمر، فكتب له كتابًا بِخَطِّه بالنيابة عنه ببلاد الهند، فاستصحب الشيخ سعيد الكتاب، وذهب إلى اليمن، واشترى بها ثلاث خلع سودًا، وركب البحر إلى الهند، فلما وصل كنبايت وهي على مسيرة أربعين يومًا من دهلي حضرة ملك الهند كتب صاحب الخبر إلى الملك يُعْلِمُه بقدوم الشيخ سعيد، وأن معه أَمْر الخليفة وكتابه فوَرَدَ الأمْرُ ببعثه إلى الحضرة مكرَّمًا، فلما قَرُبَ من الحضرة بعث الأمراء والقضاة والفقهاء لِتَلَقِّيه، ثم خرج هو بنفسه لتلقيه فتلقاه وعانقه ودَفَعَ له الأمر فقبله ووضعه على رأسه ودفع له الصندوق الذي فيه الخلع، فاحتمله الملك على كاهله خطوات، ولبس إحدى الخلع وكسا الأخرى الأمير غياث الدين محمد بن عبد القادر بن يوسف بن عبد العزيز بن الخليفة المنتصر العباسي، وكان مقيمًا عنده وسيُذْكَر خبره، وكسا الخلعة الثالثة الأمير قبولة الملقب بالملك الكبير، وهو الذي يقوم على رأسه ويشرد عنه الذباب.
وأَمَرَ السلطان فخلع على الشيخ سعيد ومن معه وأركبه على الفيل ودخل المدينة كذلك والسلطان أمامه على فرسه وعن يمينه وشماله الأميران اللذان كساهما الخلعتين العباسيتين، والمدينة قد زُيِّنَتْ بأنواع الزينة وصُنِعَ بها إحدى عشرة قبة من الخشب، كل قبة منها أربع طبقات، في كل طبقة طائفة من المُغَنِّين رجالًا ونساء، والراقصات وكلهم مماليك السلطان والقبة مزينة بثياب الحرير المُذَهَّب أعلاها وأسفلها، وداخلها وخارجها وفي وسطها ثلاثة أحواض من جلود الجواميس مملوءة ماء قد حُلَّ فيه الجلاب، يشربه كل وارد وصادر لا يُمْنَع منه أحد، وكل من يشرب منه يعطى بعد ذلك خمس عشرة ورقة من أوراق التنبول والفوفل والنورة، فيأكلها فتطيب نكهته وتزيد في حمرة وجهه ولثاته وتقمع عنه الصفراء وتهضم ما أكل من الطعام، ولما ركب الشيخ سعيد على الفيل فُرِشَتْ له ثياب الحرير بين يدي الفيل، يطأ عليها الفيل من باب المدينة إلى دار السلطان وأنزل بدار تقرب من دار الملك وبعث له أموالًا طائلة، وجميع الأثواب المعلقة والمفروشة بالقباب والموضوعة بين يدي الفيل لا تعود إلى السلطان، بل يأخذها أهل الطرب وأهل الصناعات الذين يصنعون القباب وخدام الأحواض وغيرهم، وهكذا فِعْلهم متى قَدِمَ السلطان من سفر، وأَمَرَ الملك بكتاب الخليفة أن يُقْرَأ على المنبر بين الخطبتين في كل يوم جمعة، وأقام الشيخ سعيد شهرًا ثم بَعَثَ معه الملك هدايا إلى الخليفة، فوصل كنبايت وأقام بها حتى تَيَسَّرَتْ أسباب حركته في البحر.
وكان ملك الهند قد بعث أيضًا من عنده رسولًا إلى الخليفة، وهو الشيخ رجب البرقعي أحد شيوخ الصوفية، وأصله من مدينة القرم من صحراء قبجق، وبعث معه هدايا للخليفة منها حجر ياقوت قيمته خمسون ألف دينار، وكتب له يطلب منه أن يَعْقِد له النيابة عنه ببلاد الهند والسند، ويبعث لها سواه من يظهر له، هكذا نص عليه كتابه اعتقادًا منه في الخلافة وحسن نية، وكان للشيخ رجب أخٌ بديار مصر يدعى بالأمير سيف الدين الكاشف، فلما وَصَلَ رجب إلى الخليفة أبى أن يَقْرَأ الكتاب ويَقْبَل الهدية إلا بمحضر الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر، فأشار سيف الدين على أخيه رجب ببيع الحجر فباعه واشترى بثمنه — وهو ثلاثمائة ألف درهم — أربعة أحجار، وحضر بين يدي الملك الصالح ودَفَعَ له الكتاب وأحد الأحجار، ودَفَعَ سائرها لأمرائه، واتفقوا على أن يكتب الملك الهند بما طلبه فوجَّهُوا الشهود إلى الخليفة وأشهد على نفسه أنه قدمه نائبًا عنه ببلاد الهند وما يليها.
وبعث الملك الصالح رسولًا من قبله، وهو شيخ الشيوخ بمصر ركن الدين العجمي، ومعه الشيخ رجب وجماعة من الصوفية، وركبوا بحر فارس من الإبلة إلى هرمز، وسلطانها يومئذٍ قطب الدين تمتهن طوران شاه فأكرم مثواهم وجَهَّزَ لهم مركبًا إلى بلاد الهند، فوصلوا مدينة كتبايت والشيخ سعيد بها، وأميرها يومئذٍ مقبول التلتكي أحد خواص ملك الهند، فاجتمع الشيخ رجب بهذا الأمير وقال له: إن الشيخ سعيد إنما جاءكم بالتزوير والخلع التي ساقها إنما اشتراها بعدن، فينبغي أن تُثْقِفوه وتبعثوه لخوند عالم وهو السلطان، فقال له الأمير: الشيخ سعيد معظَّم عند السلطان، فما يفعل به هذا إلا بأمره ولكني أبعثه معكم ليرى فيه السلطان رأيه، وكتب الأمير بذلك كله إلى السلطان وكتب به أيضًا صاحب الأخبار، فوقع في نفس السلطان تغيُّر، وانقبض عن الشيخ رجب لكونه تَكَلَّم بذلك على رءوس الأشهاد بعدما صدر من السلطان للشيخ سعيد من الإكرام ما صدر، فمنع رجب من الدخول عليه وزاد في إكرام الشيخ سعيد، ولما دخل الشيوخ على السلطان قام إليه وعانقه وأكرمه، وكان متى دخل إليه يقوم له، وبقي الشيخ سعيد المذكور بأرض الهند معظَّمًا مُكَرَّمًا، وبها تَرَكْتُه سنة ثمانٍ وأربعين، وكان بمكة أيام مجاورتي بها حسن المغربي المجنون، وأَمْرُه غريب وشأنه عجيب، وكان قبل ذلك صحيح العقل خديمًا لولي الله تعالى نجم الدين الأصبهاني أيام حياته.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع