من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر المجاورين بمكة
فمنهم الإمام العالم الصالح الصوفي المحقق العابد عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليمني الشافعي الشهير باليافعي كثير الطواف آناء الليل وأطراف النهار، وكان إذا طاف من الليل يصعد إلى سطح المدرسة المظفرية فيقعد مُشَاهِدًا للكعبة الشريفة إلى أن يغلبه النوم فيجعل تحت رأسه حجرًا وينام يسيرًا ثم يجدد الوضوء ويعود لحاله من الطواف حتى يصلي الصبح، وكان متزوجًا ببنت الفقيه العابد شهاب الدين بن البرهان، وكانت صغيرة السن، فلا تزال تشكو إلى أبيها حالها فيأمرها بالصبر، فأقامت معه على ذلك سنين ثم فارَقَتْه، ومنهم الصالح العابد نجم الدين الأصفوني كان قاضيًا ببلاد الصعيد فانقطع إلى الله تعالى وجاوَرَ بالحرم الشريف، وكان يعتمر في كل يوم من التنعيم ويعتمر في رمضان مرتين في اليوم، اعتمادًا على ما في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، ومنهم الشيخ الصالح العابد شمس الدين محمد الحلبي كثير الطواف والتلاوة من قدماء المجاورين، مات بمكة شَرَّفَها الله. ومنهم الصالح أبو بكر الشيرازي المعروف بالصامت كثير الطواف أقام بمكة أعوامًا لا يتكلم فيها.
ومنهم الصالح خضر العجمي كثير الصوم والتلاوة والطواف. ومنهم الشيخ الصالح برهان الدين العجمي الواعظ، كان يُنْصَب له كرسي تجاه الكعبة الشريفة فيَعِظ الناس ويُذَكِّرهم بلسان فصيح وقَلْب خاشع يأخذ بمجامع القلوب. ومنهم الصالح المجود برهان الدين إبراهيم المصري مقرئ مجيد ساكن رباط السدرة ويقصده أهل مصر والشام بصدقاتهم، ويُعَلِّم الأيتام كتاب الله تعالى ويقوم بمؤنهم ويكسوهم. ومنهم الصالح العابد عز الدين الواسطي من أصحاب الأموال الطائلة يُحْمَل إليه من بلده المال الكثير في كل سنة، فيبتاع الحبوب والتمر ويفرقها على الضعفاء والمساكين، ويتولى حَمْلها إلى بيوتهم بنفسه، ولم يَزَلْ ذلك دأبه إلى أن تُوُفِّيَ. ومنهم الفقيه الصالح الزاهد أبو الحسن علي بن رزق الله الأنجري من أهل قطر طنجة من كبار الصالحين، جَاوَرَ بمكة أعوامًا وبها وفاته، كانت بينه وبين والدي صحبة قديمة، ومتى أتى بلدنا طنجة نزل عندنا، وكان له بيت بالمدرسة المظفرية يُعَلِّم العلم فيها نهارًا ويأوي بالليل إلى مسكنه برباط ربيع، وهو من أحسن الرباطات بمكة، بداخله بئر عذبة لا تماثلها بئر مكة، وسكانه الصالحون وأهل ديار الحجاز يعظمون هذا الرباط تعظيمًا شديدًا وينذرون له النذور وأهل الطائف يأتونه بالفواكه، ومن عادتهم أن كل من له بستان من النخيل والعنب والفرسك وهو الخوج والتين، وهم يسمونه الخمط يخرج منه العشر لهذا الرباط، ويوصلون ذلك إليه على جِمَالهم، ومسيرة ما بين مكة والطائف يومان، ومن لم يفِ بذلك نَقَصَتْ فواكهه في السنة الآتية وأصابتها الجوائح.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع