تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر بعض المشاهد خارج مكة

فمنها الحجون وقد ذكرناه، ويقال أيضًا: إن الحجون هو الجبل المطل على الجبانة، ومنها المحصب، وهو أيضًا الأبطح، وهو يلي الجبانة المذكورة، وفيه خيف بني كنانة الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، ومنها ذو طوًى وهو وادٍ يَهْبِط على قبور المهاجرين التي بالحصحاص دون ثنية كداء، ويُخْرَج منه إلى الأعلام الموضوعة حجزًا بين الحل والحرم، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه إذا قَدِمَ مكة — شَرَّفَها الله تعالى — يبيت بذي طوى ثم يغتسل منه ويغدو إلى مكة، ويُذْكَر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا فَعَلَ ذلك، ومنها ثنية كُدًى (بضم الكاف)، وهي بأعلى مكة، ومنها دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إلى مكة ومنها ثنية كَداء (بفتح الكاف)، ويقال لها: الثنية البيضاء، وهي بأسفل مكة، ومنها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا عام الوداع، وهي بين جبلين وفي مضيقها كوم حجارة موضوع على الطريق وكل من يمر به يرجمه بحجر، ويقال: إنه قبر أبي لهب وزوجه حمالة الحطب، وبين هذه الثنية وبين مكة بسيط سهل ينزله الركب إذا صدروا عن منى، وبمقربة من هذا الموضع على نحو ميل من مكة شَرَّفَها الله مسجد بإزائه حجر موضوع على الطريق كأنه مسطبة يعلوه حجر آخر كان فيه نقش فدُثِرَ رَسْمُه، يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا قَعَدَ بذلك الموضع مستريحًا عند مجيئه من عمرته فيتبرك الناس بتقبيله ويستندون إليه، ومنها التنعيم وهو على فرسخ من مكة، ومنه يَعْتَمِرُ أهل مكة، وهو أدنى الحل إلى الحرم، ومنه اعتمرتْ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا في حجة الوداع مع أخيها عبد الرحمن رضي الله عنه، وأَمَرَهُ أن يُعْمِرَها من التنعيم، وبُنِيَتْ هنالك مساجد ثلاثة على الطريق تُنْسَب كلها إلى عائشة رضي الله عنها، وطريق التنعيم طريق فسيح والناس يتحرَّوْن كنسه في كل يوم رغبة في الأجر والثواب؛ لأن من المعتمرين من يمشي فيه حافيًا، وفي هذا الطريق الآبار العذبة التي تُسَمَّى الشبيكة ومنها الزاهر وهو على نحو ميلين من مكة على طريق التنعيم وهو موضع على جانِبَي الطريق، فيه أثر دور وبساتين وأسواق، وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تُصَفُّ عليه كيزان الشرب وأواني الوضوء يملؤها خديم ذلك الموضع من آبار الزاهر، وهي بعيدة القعر جدًّا، والخديم من الفقراء المجاورين وأهل الخير يعينونه على ذلك لما فيه من المرفقة للمعتمرين من الغسل والشرب والوضوء، وذو طوًى يتصل بالزاهر.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.