من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر زمزم المباركة
وقبة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود وبينهما أربع وعشرون خطوة، والمقام الكريم عن يمين القبة ومن ركنها إليه عشر خُطًا، وداخل القبة مفروش بالرخام الأبيض، وتنور البئر المباركة في وسط القبة مائلًا إلى الجدار المقابل للكعبة الشريفة، وهو من الرخام البديع الإلصاق مفروغ بالرصاص، ودوره أربعون شبرًا، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف شبر، وعمق البئر إحدى عشرة قامة، وهم يَذْكُرون أن ماءها يتزايد في كل ليلة جمعة، وباب القبة إلى جهة الشرق، وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر وعمقها مثل ذلك، وارتفاعها عن الأرض نحو خمسة أشبار تملأ ماء للوضوء وحولها مسطبة يقعد الناس عليها للوضوء، ويلي قبة زمزم قبة الشراب المنسوبة إلى العباس رضي الله عنه، وبابها إلى جهة الشمال، وهي الآن يُجْعَل بها ماء زمزم في قلال يسمونها الدوارق، وكل دورق له مقبض واحد، وتترك بها ليبرد فيها الماء فيشربه الناس، وبها اختزان المصاحف الكريمة والكتب التي للحرم الشريف، وبها خزانة تحتوي على تابوت مبسوط مُتَّسِع فيه مصحف كريم بخط زيد بن ثابت رضي الله عنه، منتسَخ سنة ثمان عشرة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، وأهل مكة إذا أصابهم قحط أو شدة أخرجوا هذا المصحف الكريم وفتحوا باب الكعبة الشريفة ووضعوه على العتبة الشريفة ووضعوه في مقام إبراهيم عليه السلام واجتمع الناس كاشفين رءوسهم داعين متضرعين متوسلين بالمصحف العزيز والمقام الكريم، فلا ينفصلون إلا وقد تَدَارَكَهُم الله برحمته وتَغَمَّدَهُم بلطفه، ويلي قبة العباس رضي الله تعالى عنه على انحراف منها القبة المعروفة بقبة اليهودية.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع