تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الحجر الأسود

وأما الحجر الأسود، فارتفاعه عن الأرض ستة أشبار، فالطويل من الناس يتطامن لتقبيله، والصغير يَتَطَاول إليه وهو ملصق في الركن الذي إلى جهة المشرق، وسعته ثُلُثَا شبر، وطوله شبر وعقد، ولا يُعْلَم قَدْر ما دخل منه في الركن، وفيه أربع قطع ملصقة، ويقال: إن القرمطي لعنه الله كسره، وقيل إن الذي كسره سِواه، ضربه بدبوس فكسره وتبادر الناس إلى قتله وقُتِلَ بسببه جماعة من المغاربة، وجوانب الحجر مشدودة بصفيحة من فضة يلوح بياضها على سواد الحجر الكريم فتجتلي منه العيون حسنًا باهرًا، ولتقبيله لذة يتنعم بها الفم ويَوَدُّ لاثمه أن لا يفارق لثمه خاصية مودعة فيه وعناية ربانية به، وكفى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنه يمين الله في أرضه»، نَفَعَنَا الله باستلامه ومصافحته، وأَوْفَدَ عليه كل شيِّق إليه، وفي القطعة الصحيحة من الحجر الأسود مما يلي جانبه المُوالي ليمين مُسْتَلِمه نقطة بيضاء صغيرة مشرقة كأنها خال في تلك الصحيفة البهية، وترى الناس إذا طافوا بها يتساقط بعضهم على بعض ازدحامًا على تقبيله، فقَلَّمَا يتمكن أحد من ذلك إلا بعد المزاحمة الشديدة، وكذلك يصنعون عند دخول البيت الكريم، ومن عند الحجر الأسود ابتداء الطواف، وهو أول الأركان التي يلقاها الطائف، فإذا استلمه تقهقر عنه قليلًا، وجعل الكعبة الشريفة عن يساره ومضى في طوافه، ثم يلقى بعده الركن العراقي وهو إلى جهة الشمال، ثم يلقى الركن الشامي وهو إلى جهة الغرب، ثم يلقى الركن اليماني وهو إلى جهة الجنوب، ثم يعود إلى الحجر الأسود وهو إلى جهة الشرق.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.