تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الجبال المطيفة بمكة

فمنها جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب والشرق من مكة حَرَسَها الله، وهو أحد الأخشبين وأدنى الجبال من مكة شَرَّفَها الله، ويقابل ركن الحجر الأسود، وبأعلاه مسجد وأثر رباط وعمارة، وكان الملك الظاهر رحمه الله أراد أن يعمره، وهو مُطِلٌّ على الحرم الشريف وعلى جميع البلد، ومنه يظهر حُسْن مكة — شرفها الله — وجمال الحرم واتساعه والكعبة المعظمة، ويُذْكَر أن جبل أبي قبيس هو أول جبل خَلَقَهُ الله تعالى وفيه استودع الحجر زمان الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين؛ لأنه أدى الحجر الذي استُودِعَ فيه إلى الخليل إبراهيم عليه السلام، ويقال: إن قَبْر آدم عليه السلام به، وفي جبل أبي قبيس موضعُ موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين انشق له القمر، ومنها قعيقعان وهو أحد الأخشبين، ومنها الجبل الأحمر وهو في جهة الشمال من مكة شرفها الله، ومنها الخندمة وهو جبل عند الشعبين المعروفين بأجياد الأكبر وأجياد الأصغر، ومنها جبل الطير وهو على أربعة عن جهتَي طريق التنعيم، يقال: إنها الجبال التي وَضَعَ عليها الخليل عليه السلام أجزاء الطير ثم دعاها حسبما نصَّ الله في كتابه العزيز وعليها أعلام من حجارة، ومنها جبل حراء وهو في الشمال من مكة — شرفها الله تعالى — على نحو فرسخ منها، وهو مُشْرِف على منًى ذاهب في الهواء عالي القنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه كثيرًا قبل المبعث، وفيه أتاه الحق من ربه وبدا الوحي، وهو الذي اهتزَّ تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اثبت، فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد»، واخْتُلِفَ فيمن كان معه يومئذ، وروي أن العشرة كانوا معه، وقد رُوِيَ أيضًا أن جبل ثبير اهتز تحته أيضًا، ومنها جبل ثور وهو على مقدار فرسخ من مكة — شرفها الله تعالى — على طريق اليمن، وفيه الغار الذي آوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا حين خروجه مهاجرًا من مكة — شرفها الله — ومعه الصِّدِّيق رضي الله عنه حسبما ورد في الكتاب العزيز.

وذكر الأزرقي في كتابه أن الجبل المذكور نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا وقال: إلي يا محمد إلي إلي، فقد آويتُ قبلك سبعين نبيًّا، فلما دَخَلَ رسول الله الغار، واطمأن به وصاحبه الصديق معه نَسَجَت العنكبوت من حينها على باب الغار، وصَنَعَت الحمامة عشًّا وفَرَّخَتْ فيه بإذن الله تعالى، فانتهى المشركون ومعهم قُصَّاص الأثر إلى الغار، فقالوا: ها هنا انقطع الأثر، ورأوا العنكبوت قد نَسَجَ على فم الغار والحمام مفرخة، فقالوا: ما دَخَلَ أحد هنا وانصرفوا، فقال الصديق: يا رسول الله، لو ولجوا علينا منه، قال: كنا نخرج من هنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه باب فانفتح فيه باب للحين بقدرة الملك الوهاب، والناس يقصدون زيارة هذا الغار المبارك فيرومون دخوله من الباب الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم تبركًا بذلك، فمنهم من يتأتى له ومنهم من لا يتأتى له وينشب فيه حتى يتناول بالجذب العنيف، ومن الناس من يصلي أمامه ولا يدخله، وأهل تلك البلاد يقولون: إنه من كان لرشدة دخله ومن كان لزنية لم يقدر على دخوله؛ ولهذا يتحاماه كثير من الناس؛ لأنه مُخْجِل فاضح، قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخنا الحُجَّاج الأكياس أن سبب صعوبة الدخول إليه هو أن بداخله مما يلي هذا الشق الذي يُدْخَل منه حجرًا كبيرًا معترضًا، فمن دخل من ذلك الشق منبطحًا على وجهه وَصَلَ رأسه إلى ذلك الحجر، فلم يمكنه التولج ولا يمكنه أن ينطوي إلى العلو، ووجهه وصدره يليان الأرض، فذلك هو الذي ينشب ولا يخلص إلا بعد الجهد والجبذ إلى خارج، ومن دخل منه مستلقيًا على ظهره أمكنه؛ لأنه إذا وَصَلَ رأسه إلى الحجر المعترض رفع رأسه واستوى قاعدًا، فكان ظهره مستندًا إلى الحجر المعترض وأوسطه في الشق ورجلاه من خارج الغار، ثم يقوم قائمًا بداخل الغار (رجع).

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.