تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية مباركة: حكاية

كان تقي الدين المصري محتسبًا بمكة، وكان له دخول فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، فاتَّفَق في بعض السنين أن أُتِيَ أمير الحاج بصبي من ذوي الدعارة بمكة قد سَرَقَ بعض الحجاج فأمر بقطع يده، فقال له تقي الدين: إن لم نقطعها بحضرتك وإلا غلب أهل مكة خدامك عليه فاستنقذوه منهم وخلصوه فأمر بقطع يده في حضرته فقُطِعَتْ وحَقَدَها لتقي الدين ولم يَزَلْ يتربص به الدوائر ولا قدرة له عليه؛ لأن له حسبًا من الأمير بن رميثة وعطيفة والحسب عندهم أن يعطى أحدهم هدية من عماية أو شاشية بمحضر الناس تكون جوارًا لمن أُعْطِيَتْه ولا نزول حرمتها معه حتى يريد الرحلة والتحول عن مكة، فأقام تقي الدين بمكة أعوامًا ثم عزم على الرحلة وودع الأميرين وطاف طواف الوداع وخرج من باب الصفا فلقيه صاحبه الأقطع وتَشَكَّى له ضَعْف حاله وطَلَبَ منه ما يستعين به على حاجته فانتهره تقي الدين وزَجَرَهُ فاستل خنجرًا له يُعْرَف عندهم بالجنبية وضربه ضربة واحدة كان فيها حَتْفُه.

ومنهم الفقيه الصالح زين الدين الطبري شقيق نجم الدين المذكور من أهل الفضل والإحسان للمجاورين. ومنهم الفقيه المبارك محمد بن فهد القرشي من فضلاء مكة، وكان ينوب عن القاضي نجم الدين بعد وفاة الفقيه محمد بن عثمان الحنبلي. ومنهم العدل الصالح محمد بن البرهان زاهدٌ وَرِع مبتلًى بالوسواس، رأيتُه يومًا يتوضأ من بركة المدرسة المظفرية فيغسل ويكرر، ولما مَسَحَ رأسه أعاد مسحه مرات، ثم لم يقنعه ذلك فغطس رأسه في البركة، وكان إذا أراد الصلاة ربما صلى الإمام الشافعي وهو يقول: نويت نويت، فيصلي مع غيره، وكان كثير الطواف والاعتمار والذكر.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.