من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر أهل مكة وفضائلهم
ولأهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحُسْن الجوار للغرباء، ومن مَكَارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين ويستدعيهم بتلطُّف ورِفْق وحُسْن خُلُق، ثم يطعمهم وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران حيث يطبخ الناس أخبازهم، فإذا طَبَخَ أحدهم خُبْزَه واحتمله إلى منزله، فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له ولا يردهم خائبين ولو كانت له خبزة واحدة، فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طَيِّبَ النفس بذلك من غير ضجر، ومن أفعالهم الحسنة أن الأيتام الصغار يقعدون بالسوق ومع كل واحد منهم قفتان كبرى وصغرى، وهم يُسَمُّون القفة مكتلًا فيأتي الرجل من أهل مكة إلى السوق فيشتري الحبوب واللحم والخضر ويعطي ذلك للصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه واللحم والخضر في الأخرى، ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيئ له طعامه منها، ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته، فلا يُذْكَر أن أحدًا من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط، بل يؤدي ما حمل على أتم الوجوه، ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس، وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض، فترى ثيابهم أبدًا ناصعة ساطعة ويستعملون الطِّيب كثيرًا ويكتحلون ويكثرون السواك بِعِيدان الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف، وهن يُكْثِرْن التطيب حتى إن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بِقُوتِها طيبًا، وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة، فيأتين في أحسن زي، وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب المرأة منهن فيبقى أَثَر الطيب بعد ذهابها عبقًا، ولأهل مكة عوائد حسنة في الموسم وغيره، سنذكرها إن شاء الله تعالى إذا فَرَغْنا من ذِكْر فضلائها ومجاوريها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع