تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكايته

كان حسن المجنون كثير الطواف بالليل، وكان يرى في طوافه بالليل فقيرًا يكثر الطواف ولا يراه بالنهار، فلقيه ذلك الفقير ليلة وسأله عن حاله، وقال له: يا حسن، إن أمك تبكي عليك، وهي مشتاقة إلى رؤيتك، وكانت من إماء الله الصالحات، أفتحب أن تراها؟ قال له: نعم، ولكني لا قدرة لي على ذلك، فقال له: نجتمع ها هنا في الليلة المقبلة إن شاء الله تعالى، فلما كانت الليلة المقبلة وهي ليلة الجمعة وجده حيث وَاعَدَهُ فطافا بالبيت ما شاء الله، ثم خرج وهو في أثره إلى باب المعلي، فأمره أن يسد عينيه ويمسك بثوبه ففعل ذلك، ثم قال بعد ساعة: أَتَعْرِف بلدك؟ قال: نعم، قال: ها هو هذا ففتح عينيه، فإذا به على دار أمه فدخل عليها ولم يُعْلِمْها بشيء مما جرى وأقام عندها نصف شهر، وأظن أن بلده مدينة أسفي، ثم خرج إلى الجبانة فوجد الفقير صاحبه فقال له: كيف أنت؟ فقال: يا سيدي إني اشتقت إلى رؤية الشيخ نجم الدين وكنت خرجت على عادتي وغِبْتُ عنه هذه الأيام وأحب أن تَرُدَّنِي إليه، فقال له: نعم، وواعده الجبانة ليلًا، فلما وافاه بها أَمَرَهُ أن يفعل كفِعْله في مكة — شرفها الله — من تغميض عينيه والإمساك بذيله، ففَعَل ذلك، فإذا به في مكة — شرفها الله — وأوصاه أن لا يُحَدِّث نجم الدين بشيء مما جرى ولا يُحَدِّث به غيره، فلما دَخَلَ على نجم الدين قال له: أين كنت يا حسن في غيبتك؟ فأبى أن يُخْبِرَه، فعزم عليه فأخبره بالحكاية فقال: أَرِنِي الرجل، فأتى معه ليلًا وأتى الرجل على عادته، فلما مر بهما قال له: يا سيدي، هو هذا، فسمعه الرجل فضرب بيده على فمه، وقال: اسكت أَسْكَتَكَ الله، فخُرِسَ لسانه وذَهَبَ عقله وبقي بالحرم مولهًا يطوف بالليل والنهار من غير وضوء ولا صلاة، والناس يتبركون به ويكسونه، وإذا جاع خرج إلى السوق التي بين الصفا والمروة، فقصد حانوتًا من الحوانيت فيأكل منها ما أحب لا يصده أحد ولا يمنعه، بل يُسَرُّ كل من أَكَلَ له شيئًا وتظهر له البركة والنماء في بيعه وربحه، ومتى أتى السوق تَطَاوَلَ أهلها بأعناقهم إليه، كلٌّ منهم يَحْرِص على أن يأكل مِنْ عنده لِمَا جربوه من بركته، وكذلك فِعْله مع السقائين متى أحب أن يشرب، ولم يَزَلْ دأبه كذلك إلى سنة ثمانٍ وعشرين، فحج فيها الأمير سيف الدين يلملك فاستصحبه معه إلى ديار مصر، فانقطع خبره — نَفَعَ الله تعالى به.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.