من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر عادتهم في الخطبة وصلاة الجمعة
وعادتهم في يوم الجمعة أن يلصق المنبر المبارك إلى صفح الكعبة الشريفة فيما بين الحجر الأسود والركن العراقي، ويكون الخطيب مستقبلًا المقام الكريم، فإذا خرج الخطيب أقبل لابسًا ثوب سواد معتمًّا بعمامة سوداء وعليه طيلسان أسود، كل ذلك من كسوة الملك الناصر، وعليه الوقار والسكينة، وهو يتهادى بين رايتين سوداوين يتمسكهما رجلان من المؤذنين وبين يديه أحد القومة في يده الفرقعة، وهي عود في طرفه جلد رقيق مفتول ينقضه في الهواء، فيُسْمَع له صوتٌ عالٍ يَسْمَعه من بداخل الحرم وخارجه، فيكون إعلامًا بخروج الخطيب، ولا يزال كذلك إلى أن يقرب من المنبر فيُقَبِّل الحجر الأسود ويدعو عنده، ثم يقصد المنبر والمؤذن الزمزمي — وهو رئيس المؤذنين — بين يديه لابسًا السواد وعلى عاتقه السيف ممسكًا له بيده.
وتُرْكَز الرايتان عن جانبي المنبر، فإذا صعد أول درج من درج المنبر قلده المؤذن السيف فيَضْرِب بنصل السيف ضربة في الدرج يُسْمِع بها الحاضرين، ثم يضرب في الدرج الثاني ضربة ثم في الثالث أخرى، فإذا استوى في عليا الدرجات ضَرَبَ ضربة رابعة ووقف داعيًا بدعاء خفيٍّ مستقبل الكعبة، ثم يُقْبِل على الناس فيسلم عن يمينه وشماله ويرد عليه الناس ثم يقعد، ويؤذن المؤذنون في أعلى قبة زمزم في حين واحد، فإذا فرغ الأذان خطب الخطيب خطبة يكثر بها من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول في أثنائها: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ما طاف بهذا البيت طائف، ويشير بإصبعه إلى البيت الكريم، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ما وَقَفَ بعرفة واقف، ويَتَرَضَّى عن الخلفاء الأربعة وعن سائر الصحابة وعن عَمَّيِ النبي صلى الله عليه وسلم وسبطيه وأمهما وخديجة جدتهما على جميعهم السلام، ثم يدعو للملك الناصر، ثم للسلطان المجاهد نور الدين علي ابن الملك المؤيد داود ابن الملك المظفر يوسف بن علي بن رسول، ثم يدعو للسيدين الشريفين الحسنيين أميري مكة: سيف الدين عطيفة — وهو أصغر الأخوين ويُقَدِّم اسمه لِعَدْله — وأسد الدين رميثة ابني أبي نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة، وقد دعا لسلطان العراق مرة ثم قَطَعَ ذلك، فإذا فرغ من خطبته صلى وانصرف، والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه إشعارًا بانقضاء الصلاة ثم يعاد المنبر إلى مكانه إزاء المقام الكريم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع