من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر كسوة الكعبة
وفي يوم النحر بُعِثَتْ كسوة الكعبة الشريفة من الركب المصري إلى البيت الكريم فوُضِعَتْ في سطحه، فلما كان اليوم الثالث بعد يوم النحر أخذ الشيبيون في إسبالها على الكعبة الشريفة، وهي كسوة سوداء حالكة من الحرير مبطنة بالكتان وفي أعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا … الآية، وفي سائر جهاتها طرز مكتوب بالبياض فيها آيات من القرآن، وعليها نور لائح مُشْرِق من سوادها، ولما كُسِيَتْ شُمِّرَتْ أذيالها صونًا من أيدي الناس، والملك الناصر هو الذي يتولى كسوة الكعبة الكريمة ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقومة وما يَحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كل سنة، وفي هذه الأيام تُفْتَح الكعبة الشريفة في كل يوم للعراقيين والخراسانيين وسواهم ممن يصل مع الركب العراقي، وهم يقيمون بمكة بعد سفر الركبين الشامي والمصري أربعة أيام، فيُكْثِرون فيها الصدقات على المجاورين وغيرهم، ولقد شاهَدْتُهُم يطوفون بالحرم ليلًا، فمن لقوه في الحرم من المجاورين أو المكيين أَعْطَوْه الفضة والثياب، وكذلك يعطون للمشاهدين الكعبة الشريفة، وربما وجدوا إنسانًا نائمًا، فجعلوا في فيه الذهب والفضة حتى يفيق، ولما قدمت معهم من العراق سنة ثمانٍ وعشرين فعلوا من ذلك كثيرًا وأكثروا الصدقة حتى رخص سوم الذهب بمكة وانتهى صَرْف المثقال إلى ثمانية عشر درهمًا نقرة لكثرة ما تصدقوا به من الذهب، وفي هذه السنة ذُكِرَ اسم السلطان أبي سعيد ملك العراق على المنبر وقبة زمزم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع