من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
مدينة واسط: حكاية
كنت مررت بموضع يقال له أفقانبور من عمالة هزار أمروها وبينهما وبين دهلي حضرة الهند مسيرة خمس، وقد نزلنا بها على نهر يُعْرَف بنهر السرور وذلك في أوان الشكال، والشكال عندهم هو المطر وينزل في إبان القيظ، وكان السيل ينحدر في هذا النهر من جبال قراجيل، فكلُّ مَنْ يَشْرَب منه من إنسان أو بهيمة يموت لنزول المطر على الحشائش المسمومة، فأقمنا على النهر أربعة أيام لا يقربه أحد، ووصل إلى هنالك جماعة من الفقراء في أعناقهم أطواق الحديد وفي أيديهم، وكبيرهم رجل أسود حالك اللون وهم من الطائفة المعروفة بالحيدرية، فباتوا عندنا ليلة، وطَلَبَ مني كبيرهم أن آتيه بالحطب ليوقدوه عند رَقْصهم، فكَلَّفْت والي تلك الجهة وهو عزيز المعروف بالخمار (وسيأتي ذِكْره) أن يأتي بالحطب، فوجه منه نحو عشرة أحمال فأضرموا فيه النار بعد صلاة العشاء الآخرة حتى صارت جمرًا وأخذوا في السماع، ثم دخلوا في تلك النار فما زالوا يرقصون ويتمرغون فيها، وطلب مني كبيرهم قميصًا فأعطيته قميصًا في النهاية من الرقة فلبسه وجعل يتمرغ به في النار ويضربها بأكمامه حتى طُفِئَتْ تلك النار وخمدت، وجاء إلي بالقميص والنار لم تؤثر فيه شيًّا البتة فطال عجبي منه، ولما حصلتْ لي زيارة الشيخ أبي العباس الرفاعي — نفع الله به — عُدْتُ إلى مدينة واسط فوجدت الرفقة التي كُنْتُ فيها قد رَحَلَتْ فلحقْتُها في الطريق، ونزلنا ماء يُعْرَف بالهضيب، ثم رحلنا ونزلنا بوادي الكراع وليس به ماء، ثم رحلنا ونزلنا موضعًا يُعْرَف بالمشيرب، ثم رحلنا منه ونزلنا بالقرب من البصرة، ثم رحلنا فدخلنا ضحوة النهار إلى مدينة البصرة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع