تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر نقيب الأشراف: حكاية

كان الشريف أبو غرة قد غَلَبَ عليه في أول أَمْرِه العبادةُ وتَعَلُّم العلم، واشْتُهِر بذلك، وكان ساكنًا بالمدينة الشريفة — كرمها الله — في جِوَارِ ابن عمه منصور بن جماز أمير المدينة، ثم إنه خرج عن المدينة واستوطن العراق وسكن منها بالحلة، فمات النقيب قوام الدين بن طاوس فاتفق أهل العراق على تولية أبي غرة نقابة الأشراف، وكتبوا بذلك إلى السلطان أبي سعيد فأمضاه ونَفَّذَ له اليرليغ وهو الظهير بذلك، وبُعِثَتْ له الخلعة والأعلام والطبول على عادة النقباء ببلاد العراق، فغَلَبَتْ عليه الدنيا وتَرَكَ العبادة والزهد وتَصَرَّفَ في الأموال تصرفًا قبيحًا، فرُفِعَ أَمْرُه إلى السلطان، فلما عَلِمَ بذلك أعمل السفر مُظْهِرًا أنه يريد خراسان قاصدًا زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس وكان قَصْدُه الفرار، فلما زار قبر علي بن موسى قَدِمَ هراة وهي آخر بلاد خراسان، وأعلم أصحابه أنه يريد بلاد الهند، فرَجَعَ أَكْثَرُهم عنه وتَجَاوَز هو أرض خراسان إلى السند، فلما جاز وادي السند المعروف ببنج آب ضَرَبَ طبوله وأنفاره فراع ذلك أهل القرى وظنوا أن التتر أتوا للإغارة عليهم وأجفلوا إلى المدينة المسماة بأوجا وأعلموا أميرها بما سمعوه، فركب في عساكره واستعد للحرب وبعث الطلايع فرأوا نحو عشرة من الفرسان وجماعة من الرجال والتجار ممن صحب الشريف في طريقه معهم الأطبال والأعلام، فسألوهم عن شأنهم فأخبروهم أن الشريف نقيب العراق أتى وافدًا على ملك الهند فرجع الطلايع إلى الأمير وأخبروه بكيفية الحال فاستضعف عقل الشريف لِرَفْعه العلامات وضَرْبه الطبول في غير بلاده، ودخل الشريف مدينة أوجا وأقام بها مدة تُضْرَب الأطبال على باب داره غُدْوَة وعشيًّا وكان مُولَعًا بذلك.

ويُذْكَر أنه كان في أيام نقابته بالعراق تُضْرَب الأطبال على رأسه، فإذا أَمْسَكَ النَّقَّارُ عن الضرب يقول له: زِدْ نقرة يا نقار حتى لُقِّبَ بذلك، وكتب صاحب مدينة أوجا إلى ملك الهند بخبر الشريف وضَرْبه الأطبال بالطريق وعلى باب داره غدوة وعشيًّا ورفعه الأعلام، وعادة أهل الهند أن لا يَرْفَع علمًا ولا يَضْرِب طبلًا إلا من أعطاه الملك ذلك ولا يفعله إلا في السفر، وأما في حال الإقامة فلا يُضْرَب الطبل إلا على باب الملك خاصة، بخلاف مصر والشام والعراق، فإن الطبول تُضْرَب على أبواب الأمراء، فلما بَلَغَ خبره ملك الهند كَرِهَ فِعْلَه وأَنْكَرَهُ وفَعَلَ في نفسه، ثم خرج الأمير إلى حضرة الملك، وكان الأمير كشلي خان، والخان عندهم أعظم الأمراء، وهو الساكن بملتان كرسي بلاد السند، وهو عظيم القدر عند ملك الهند يدعوه بالعم؛ لأنه كان ممن أعان أباه السلطان غياث الدين تغلق شاه على قتال السلطان ناصر الدين خسرو شاه قد قدم على حضرة ملك الهند فخرج الملك إلى لقائه فاتفق أن كان وصول الشريف في ذلك اليوم، وكان الشريف قد سبق الأمير بأميال وهو على حاله من ضَرْب الأطبال، فلم يَرُعْه إلا السلطان في موكبه، فتَقَدَّمَ الشريف إلى السلطان فسَلَّمَ عليه وسأله السلطان عن حاله وما الذي جاء به فأخبره، ومضى السلطان حتى لقي الأمير كشلي خان وعاد إلى حضرته ولم يلتفت إلى الشريف ولا أَمَرَ له بإنزال ولا غيره.

وكان الملك عازمًا على السفر إلى مدينة دولة أباد وتسمى أيضًا بالكَتَكَة (بفتح الكافين والتاء المعلوة التي بينهما)، وتسمى أيضًا بالدويجر (دوكير)، وهي على مسيرة أربعين يومًا من مدينة دهلي حضرة الملك، فلما شرع في السفر بعث إلى الشريف بخمسمائة دينار دراهم وصرفها من ذهب المغرب مائة وخمسة وعشرون دينارًا، وقال لرسوله إليه: قُل له: إن أراد الرجوع إلى بلاده فهذا زاده، وإن أراد السفر معنا فهي نفقته في الطريق، وإن أراد الإقامة بالحضرة فهي نفقته حتى نرجع، فاغتم الشريف لذلك وكان قَصْدُه أن يجزل له العطاء كما هي عادته مع أمثاله، واختار السفر صحبة السلطان، وتَعَلَّقَ بالوزير أحمد بن إياس المدعو بخواجة جهان، وبذلك سماه الملك، وبه يدعوه هو وبه يدعوه سائر الناس، فإن من عادتهم أنه متى سَمَّى الملك أحدًا بِاسْمٍ مضافٍ إلى الملك من عماد أو ثقة أو قُطْب، أو بِاسْمٍ مضافٍ إلى الجهان من صدر وغيره، فبذلك يخاطبه الملك وجميع الناس، ومَنْ خَاطَبَهُ بسوى ذلك لَزِمَتْه العقوبة، فأكدت المودة بين الوزير والشريف، فأحسن إليه ورَفَعَ قَدْرَه ولَاطَفَ الملك حتى حسن فيه رأيه وأمر له بقريتين من قرى دولة أباد، وأَمَرَهُ أن تكون إقامته بها، وكان هذا الوزير من أهل الفضل والمروءة ومكارم الأخلاق والمحبة في الغرباء والإحسان إليهم وفِعْل الخير وإطعام الطعام وعمارة الزوايا، فأقام الشريف يستغل القريتين ثمانية أعوام، وحَصَّلَ من ذلك مالًا عظيمًا، ثم أراد الخروج فلم يُمْكِنه، فإنه مَنْ خَدَمَ السلطان لا يمكنه الخروج إلا بإذنه، وهو مُحِبٌّ في الغرباء، فقليلًا ما يأذن لأحدهم في السراح، فأراد الفرار من طريق الساحل فرُدَّ منه وقدم الحضرة ورغب من الوزير أن يحاول قضية انصرافه.

فتَلَطَّفَ الوزير في ذلك حتى أَذِنَ له السلطان في الخروج عن بلاد الهند، وأعطاه عشرة آلاف دينار من دراهمهم وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار، فأتى بها في بدرة فجعلها تحت فراشه ونام عليها لمحبته في الدنانير وفَرَحِه بها وخَوْفِه أن يتصل لأحد من أصحابه شيء منها؛ فإنه كان بخيلًا، فأصابه وَجَعٌ في جنبه بسبب رقاده عليها، ولم يَزَلْ يتزايد به وهو آخذ في حركة سفره إلى أن توفي بعد عشرين يومًا من وصول البدرة إليه، وأوصى بذلك المال للشريف حسن الجراني فتَصَدَّقَ بجملته على جماعة من الشيعة المقيمين بدهلي من أهل الحجاز والعراق، وأهل الهند لا يورثون بيت المال ولا يتعرضون لمال الغرباء ولا يسألون عنه ولو بَلَغَ ما عسى أن يَبْلُغَ، وكذلك السودان لا يتعرضون لمال الأبيض ولا يأخذونه، إنما يكون عند الكبار من أصحابه حتى يأتي مستحقه، وهذا الشريف أبو غرة له أخ اسمه قاسم، سَكَنَ غرناطة مدةً وبها تَزَوَّجَ بنت الشريف أبي عبد الله بن إبراهيم الشهير بالمكي، ثم انتقل إلى جبل طارق فسكنه إلى أن استشهد بوادي كرة من نظر الجزيرة الخضراء، وكان بهمة من البهم لا يصطلي بناره، خَرَقَ المعتاد في الشجاعة، وله فيها أخبار شهيرة عند الناس، وترك ولدين هما في كفالة ربيبهما الشريف الفاضل أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن نفيس الحسيني الكربلائي الشهير ببلاد المغرب بالعراقي، وكان تزوج أمهما بعد موت أبيهما، وهو محسن لهما، جزاه الله خيرًا.

ولما تَحَصَّلَتْ لنا زيارة أمير المؤمنين علي عليه السلام سَافَرَ الرَّكْبُ إلى بغداد وسافرْتُ إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة وهم أهل تلك البلاد، ولهم شوكة عظيمة وبأس شديد، ولا سبيل للسفر في تلك الأقطار إلا في صُحْبَتهم، فاكتريتُ جَملًا على يد أمير تلك القافلة شامر بن دراج الخفاجي، وخرجنا من مشهد علي عليه السلام، فنزلنا الخورنق — موضع سكنى النعمان بن المنذر وآبائه من ملوك بني ماء السماء — وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات، ثم رَحَلْنَا عنه فنزلنا موضعًا يُعْرَف بقائم الواثق، وبه أَثَر قرية خربة ومسجد خرب لم يَبْقَ منه إلا صومعته، ثم رحلنا عنه آخذين مع جانب الفرات بالموضع المعروف بالعذار، وهو غابة قصب في وسط الماء يسكنها أعراب يُعْرَفون بالمعادي وهم قطاع الطريق رافضية المذهب، خرجوا على جماعة من الفقراء تَأَخَّرُوا عن رفقتنا فَسَلَبُوهُمْ حتى النعال والكشاكل، وهم يتحصنون بتلك الغابة ويمتنعون بها ممن يريدهم، والسباع بها كثيرة، ورحلنا مع هذا الغدار ثلاث مراحل، ثم وصلنا مدينة واسط.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.