تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر المشاهد المباركة بالبصرة: حكاية

لما دخلت هذه المدينة أصابني مرض الحمى، وهذه البلاد يحم داخلها في زمان الحر كما يعرض في دمشق وسواها من البلاد الكثيرة المياه والفواكه، وأصابت الحمى أصحابي أيضًا، فمات منهم شيخ اسمه يحيى الخراساني، وقام الشيخ بتجهيزه من كل ما يحتاج إليه الميت وصلى عليه، وتركت بها صاحبًا لي يُدْعَى بهاء الدين الخثني فمات بعد سفري، وكنت حين مرضي لا أشتهي إلا طعمته التي تُصْنَع لي بمدرسته، فذكر لي الفقيه شمس الدين السندي من طلبتها طعامًا، فاشتهيته ودَفَعْتُ له دراهم وطَبَخَ لي ذلك الطعام بالسوق، وأتى به إلي فأكلت منه.

وبَلَغَ ذلك الشيخ فشَقَّ عليه وأتى إلي وقال لي: كيف تَفْعَل هذا وتطبخ الطعام في السوق، وهلا أَمَرْتَ الخدم أن يصنعوا لك ما اشتهيتَه، ثم أَحْضَرَ جميعهم وقال لهم: جميع ما يَطْلُب منكم من أنواع الطعام والسكر وغير ذلك، فأتوا إليه به واطبخوا له ما يشاؤه وأَكَّدَ عليهم في ذلك أَشَدَّ التأكيد جزاه الله خيرًا، ثم سافَرْنَا من مدينة تستر ثلاثًا في جبال شامخة، وبكل منزل زاوية كما تَقَدَّمَ ذِكْر ذلك، ووصلنا إلى مدينة إيذَج (وضبْط اسمها بكسر الهمزة وياء مد وذال معجم مفتوح وجيم)، وتُسَمَّى أيضًا مال الأمير وهي حضرة السلطان أتابك، وعند وصولي إليها اجتمعت بشيخ شيوخها العالِم الورِع نور الدين الكرماني، وله النظر في جميع الزوايا وهم يُسَمُّونَها المدرسة، والسلطان يعظمه ويقصد زيارته، وكذلك أرباب الدولة وكبراء الحضرة يزورونه غدوًّا وعشيًّا، فأكْرَمَني وأضافني وأنزلَنِي بزاوية تُعْرَف باسم الدينوري، وأقمت بها أيامًا، وكان وصولي في أيام القيظ وكنا نصلي صلاة الليل ثم ننام بأعلى سطحها ثم ننزل إلى الزاوية ضحوة، وكان في صحبتي اثنا عشر فقيرًا منهم إمام وقارئان مُجِيدان وخادم ونحن على أحسن ترتيب.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.