من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر ملك إيذج وتستر: حكاية
قَدِمَ السلطان أتابك أحمد مرةً على مَلِك العراق أبي سعيد، فقال له بعض خواصه: إن أتابك يدخل عليك وعليه الدرع وظن ثوب الشعر الذي تحت ثيابه درعًا، فأَمَرَهُم باختبار ذلك على جهة من الانبساط ليَعْرِف حقيقته، فدخل عليه يومًا، فقام إليه الأمير الجوبان عظيم أمراء العراق والأمير سويته أمير ديار بكر والشيخ حسن الذي هو الآن سلطان العراق وأمسكوا بثيابه كأنهم يمازحونه ويضاحكونه فوجدوا تحت ثيابه ثوب الشعر، ورآه السلطان أبو سعيد وقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال له: سن آطا، ومعناه بالتركية: أنت أبي، وعَوَّضَه عن هديته بأضعافها، وكتب له اليرليغ وهو الظهير أن لا يطالبه بهدية بعدها هو ولا أولاده، وفي تلك السنة تُوُفِّيَ ووَلِيَ ابنه أتابك يوسف عشرة أعوام ثم وَلِيَ أخوه أفراسياب، ولما دَخَلْتُ مدينة إيذج أردْتُ رؤية السلطان أفراسياب المذكور فلم يَتَأَتَّ لي ذلك بسبب أنه لا يخرج إلا يومَ الجمعة لإدمانه على الخمر، وكان له ابنٌ هو ولي عهده وليس له سواه، فمرض في تلك الأيام، ولما كان في إحدى الليالي أتاني أحد خدامه وسألني عن حالي فعَرَّفْتُه، وذهب عني ثم جاء بعد صلاة المغرب ومعه طيفوران كبيران أحدهما بالطعام والآخر بالفاكهة وخريطة فيها دراهم ومعه أهل السماع بآلاتهم، فقال: اعملوا السماع حتى يرهج الفقراء ويدعون لابن السلطان، فقلت له: إن أصحابي لا يدرون بالسماع ولا بالرقص، ودَعَوْنَا للسلطان ولولده، وقسمت الدراهم على الفقراء، ولما كان نصف الليل سمعنا الصراخ والنواح وقد مات المريض المذكور، ولما كان من الغد دخل علي شيخ الزاوية وأهل البلد وقالوا: إن كبراء المدينة من القضاة والفقهاء والأشراف والأمراء قد ذهبوا إلى دار السلطان للعزاء، فينبغي لك أن تذهب في جملتهم، فأبيت عن ذلك، فعزموا علي، فلم يكن لي بد من المسير، فسِرْتُ معهم فوجدت مشور دار السلطان ممتلئًا رجالًا وصبيانًا من المماليك وأبناء الملوك والوزراء والأجناد، وقد لبسوا التلاليس وجلال الدواب، وجعلوا فوق رءوسهم التراب والتبن، بعضهم قد جَزَّ ناصيته، وانقسموا فرقتين: فرقة بأعلى المشور، وفرقة بأسفله، وتزحف كل فرقة إلى جهة الأخرى وهم ضاربون بأيديهم على صدورهم قائلون خوند كارما، ومعناه: مولاي أنا (مولانا) فرأيت من ذلك أمرًا هائلًا ومنظرًا فظيعًا لم أَعْهَدْ مِثْلَه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع