من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر ملك إيذج وتستر: حكاية (٢)
ومن غريب ما اتَّفَقَ لي يومئذٍ أني دخلت فرأيت القضاة والخطباء والشرفاء قد استندوا إلى حيطان المشور وهو غاصٌّ بهم من جميع جهاته، وهم بين باكٍ ومتباكٍ ومطرق، وقد لَبِسُوا فوق ثيابهم ثيابًا خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة، بطائنها إلى أعلى ووجوهها مما يلي أجسادهم، وعلى رأس كل وحد منهم قطعة خرقة أو مئزر أسود، وهكذا يكون فِعْلُهم إلى تمام أربعين يومًا، وهي نهاية الحزن عندهم، وبعدها يَبْعَث السلطان لكل مَنْ فَعَلَ ذلك كسوة كاملة، فلما رأيت جهات المشور غاصة بالناس نَظَرْتُ يمينًا وشمالًا أرتاد موضعًا لجلوسي، فرأيت هنالك سقيفة مرتفعة عن الأرض بمقدار شبر، وفي إحدى زواياها رجل منفرد عن الناس قاعد عليه ثوب صوف شبه اللبد يلبسه بتلك البلاد ضعفاء الناس أيام المطر والثلج وفي الأسفار، فتقدمت إلى حيث الرجل وانقطع عني أصحابي لما رأوا إقدامي نحوه، وعجبوا مني وأنا لا علم عندي بشيء من حاله، فصعدت السقيفة وسلمت على الرجل فرد علي السلام وارتفع عن الأرض كأنه يريد القيام وهم يسمون ذلك نصف القيام، وقعدت في الركن المقابل له، ثم نظرت إلى الناس وقد رموني بأبصارهم جميعًا، فعجبت منهم، ورأيت الفقهاء والمشايخ والأشراف مستندين إلى الحائط تحت السقيفة، وأشار إلي أحد القضاة أن انْحَطَّ إلى جانبه فلم أَفْعَلْ، وحينئذٍ استشعرت أنه السلطان، فلما كان بعد ساعة أتى شيخ المشايخ نور الدين الكرماني الذي ذكرناه قبلُ، فصعد إلى السقيفة وسَلَّمَ على الرجل، فقام إليه وجلس فيما بيني وبينه، فحينئذٍ علمت أن الرجل هو السلطان، ثم جيء بالجنازة وهي بين أشجار الأترج والليمون والنارنج، وقد مَلَئُوا أغصانها بثمارها والأشجار بأيدي الرجال، فكأن الجنازة تمشي في بستان، والمشاعل في رماح طوال بين يديها والشمع كذلك، فصُلِّيَ عليها وذهبت الناس معها إلى مدفن الملوك، وهو بموضع يقال له: هلا فيحان، على أربعة أميال من المدينة.
وهنالك مدرسة عظيمة يشقها النهر وبداخلها مسجد تقام فيه الجمعة وبخارجها حمام ويحفُّ بها بستان عظيم وبها الطعام للوارد والصادر، ولم أَسْتَطِع أن أذهب معهم إلى مدفن الجنازة لِبُعْد الموضع فعُدْتُ إلى المدرسة، فلما كان بعد أيام بعث إلي السلطان رسوله الذي أتاني بالضيافة أولًا يدعوني إليه، فذهبت معه إلى باب يُعْرَف بباب السر وصعدنا في دَرَج كثيرة إلى أن انتهينا إلى موضع لا فرش به لأجل ما هُمْ فيه من الحزن، والسلطان جالس فوق مخدة وبين يديه آنيتان قد غُطِّيَتَا، حداهما من الذهب والأخرى من الفضة، وكانت بالمجلس سجادة خضراء ففُرِشَتْ لي بالقرب منه وقَعَدْتُ عليها وليس بالمجلس إلا حاجبه الفقيه محمود ونديم له لا أعرف اسمه، فسألني عن حالي وبلادي، وسألني عن الملك الناصر وبلاد الحجاز فأجبته عن ذلك، ثم جاء فقيه كبير هو رئيس فقهاء تلك البلاد، فقال لي السلطان: هذا مولانا فضيل، والفقيه ببلاد الأعاجم كلها إنما يخاطَب بمولانا، وبذلك يدعوه السلطان وسواه، ثم أَخَذَ في الثناء على الفقيه المذكور، وظَهَرَ لي أن السكر غَالِبٌ عليه، وكُنْتُ قد عَرَفْتُ إدمانه على الخمر، ثم قال لي باللسان العربي وكان يحسنه: تَكَلَّمْ، فقلت له: إن كنت تسمع مني أقول لك: أنت من أولاد السلطان أتابك أحمد المشهور بالصلاح والزهد، وليس فيك ما يَقْدَح في سلطنتك غير هذا، وأَشَرْتُ إلى الآنيتين، فخَجِلَ من كلامي وسَكَتَ، وأَرَدْتُ الانصراف فأمرني بالجلوس وقال لي: الاجتماع مع أمثالك رحمة، ثم رأيته يتمايل ويريد النوم.
فانصرَفْتُ وكُنْتُ تركْتُ نعلي بالباب فلم أجده، فنزل الفقيه محمود في طلبه وصعد الفقيه فضيل يطلبه في داخل المجلس فوجده في طاقٍ هنالك، فأتى إلي به فأخجلني بره واعتذرت إليه فقَبَّلَ نعلي حينئذٍ ووَضَعَهُ على رأسه، وقال لي: بارَكَ الله فيك، هذا الذي قُلْتَه لسلطاننا لا يَقْدِر أحد أن يقوله له غيرك، والله إني لأرجو أن يؤثر ذلك فيه، ثم كان رحيلي من حضرة إيذج بعد أيام، فنزلت بمدرسة السلاطين التي بها قبورهم وأقمت بها أيامًا، وبعث إلي السلطان بجملة دنانير وبعث بمثلها لأصحابي، وسافرنا في بلاد هذا السلطان عشرة أيام في جبال شامخة، وفي كل ليلة نَنْزِل بمدرسة فيها الطعام، فمنها ما هو في العمارة، ومنها ما لا عمارة حوله، ولكنه يُجْلَب إليها جَمِيعُ ما تحتاج إليه، وفي اليوم العاشر نزلنا بمدرسة تُعْرَف بمدرسة كريو الرخ وهي آخر بلاد هذا الملك، وسافرنا منها في بسيط من الأرض كثيرِ المياه من عمالة مدينة أصفهان، ثم وصلنا إلى بلدة أشتركان (وضبط اسمها بضم الهمزة وإسكان الشين المعجم وضم التاء المعلوة وإسكان الراء وآخره نون)، وهي بلدة حسنة كثيرة المياه والبساتين ولها مسجد بديع يشقه النهر، ثم رحلنا منها إلى مدينة فيروزان واسمها كأنه تثنية فيروز، وهي مدينة صغيرة ذات أنهار وأشجار وبساتين، وصلناها بعد صلاة العصر فرأينا أهلها قد خرجوا لتشييع جنازة وقد أوقدوا خَلْفَها وأمامها المشاعل وأتبعوها بالمزامير والمغنيين بأنواع الأغاني المُطْرِبة فعجبنا من شأنهم، وبتنا بها ليلة.
ومَرَرْنا بالغد بقرية يقال لها: نبلان، وهي كبيرة على نهر عظيم وإلى جانبه مسجد في النهاية من الحُسْن، يُصْعَد إليه في درج وتحفُّه البساتين، وسِرْنا يومنا فيما بين البساتين والمياه والقرى الحسان الكثيرة أبراج الحمام، ووصلنا بعد العصر إلى مدينة أصفهان من عراق العجم (واسمها يقال بالفاء الخالصة، ويقال بالفاء المعقودة المفخمة)، ومدينة أصفهان من كبار المدن وحسانها، إلا أنها الآن قد خرب أكثرها بسبب الفتنة التي بين أهل السنة والروافض، وهي متصلة بينهم حتى الآن، فلا يزالون في قتال، وبها الفواكه الكثيرة ومنها المشمش الذي لا نظيرَ له يسمونه بقمر الدين، وهم ييبسونه ويدخرونه ونواه ينكسر عن لوز حلو، ومنها السفرجل الذي لا مثل له في طِيب المطعم وعِظَم الجرم، والأعناب الطيبة والبطيخ العجيب الشأن الذي ليس في الدنيا مثله إلا ما كان من بطيخ بخارى وخوارزم، وقشره أخضر وداخله أحمر ويدخر كما ندخر الشريحة بالمغرب، وله حلاوة شديدة، ومَنْ لم يكن أَلِفَ أَكْلَه فإنه في أول أَمْرِه يُسْهِله، وكذلك اتفق لي لَمَّا أكلته بأصفهان.
وأهل أصفهان حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة مشوبة بالحمرة، والغالب عليهم الشجاعة والنجدة، وفيهم كَرَم وتنافُس عظيم فيما بينهم في الأطعمة تُؤْثَر عنهم في أخبار غريبة، وربما دعا أحدهم صاحبه فيقول له: اذهب معي لنأكل نان وماس، والنان بلسانهم الخبز والماس اللبن، فإذا ذهب معه أَطْعَمَهُ أنواع الطعام العجيب مباهيًا له بذلك، وأهل كل صناعة يقدمون على أنفسهم كبيرًا منهم يسمونه الكلو، وكذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات، وتكون الجماعة من الشبان الأعزاب وتفاخر تلك الجماعات ويضيف بعضهم بعضًا مُظْهِرين لما قدروا عليه من الإمكان محتفلين في الأطعمة وسواها الاحتفال العظيم، ولقد ذُكِرَ لي أن طائفة منهم أضافت أخرى فطَبَخُوا طعامهم بنار الشمع، ثم أضافتها الأخرى فطبخوا طعامهم بالحرير، وكان نزولي بأصفهان في زاوية تُنْسَب للشيخ علي بن سهل تلميذ الجنيد، وهي مُعَظَّمة يقصدها أَهْلُ تلك الآفاق ويَتَبَرَّكُون بزيارتها، وفيها الطعام للوارد والصادر، وبها حَمَّام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني وهو موقوف في السبيل لا يلزم أحدًا في دخوله شيء، وشيخ هذه الزاوية الصالح العابد الورِع قطب الدين حسين ابن الشيخ الصالح ولي الله شمس الدين محمد بن محمود بن علي المعروف بالرجاء، وأخوه العالم المفتي شهاب الدين أحمد، أَقَمْتُ عند الشيخ قطب الدين بهذه الزاوية أربعة عشر يومًا، فرأيت من اجتهاده في العبادة وحُبِّه في الفقراء والمساكين وتواضُعِه لهم ما قضيت منه العجب، وبالَغَ في إكرامي وأَحْسَنَ ضيافتي وكساني كسوة حسنة، وساعة وصولي الزاوية بعث إلي بالطعام وبثلاث بطيخات من البطيخ الذي وَصَفْنَاه آنفًا، ولم أَكُنْ رأيتُه قبل ولا أَكَلْتُه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع