تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية هي السبب في تعظيم هذا الشيخ وهي من الكرامات الباهرة

كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كُفْرِه فقيه من الروافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر، فلما أَسْلَمَ السلطان المذكور وأَسْلَمَتْ بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه، فزَيَّنَ له مذهب الروافض وفضله على غيره وشرح له حال الصحابة والخلافة، وقرر لديه أن أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله، وأن عليًّا ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة، ومَثَّلَ له ذلك بما هو مألوف عنده من أن المُلْك الذي بيده إنما هو إِرْث عن أجداده وأقاربه مع حدثان عهد السلطان بالكفر وعدم معرفته بقواعد الدين، فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض، وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وأذربيجان وأصفهان وكرمان وخراسان وبعث الرسل إلى البلاد، فكان أول بلاد وَصَلَ إليها ذلك بغداد وشيراز وأصفهان، فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الإزج منهم وهم أهل السنة وأكثرهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقالوا: لا سمع ولا طاعة، وأتوا المسجد الجامع يوم الجمعة في السلاح وبه رسول السلطان، فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه وهم نحو اثني عشر ألفًا في سلاحهم وهم حماة بغداد والمشار إليهم فيها، فحلفوا له: إنه إنْ غَيَّر الخطبة المعتادة أو زاد فيها أو نقص منها فإنهم قاتِلوه وقاتِلو رسول الملك ومستسلمون بعد ذلك لما شاءه الله.

وكان السلطان أَمَرَ بأن تُسْقَط أسماء الخلفاء وسائر الصحابة من الخطبة ولا يُذْكَر إلا اسم علي ومن تَبِعَه كعمار رضي الله عنهم، فخاف الخطيب من القتل، وخطب الخطبة المعتادة وفَعَلَ أهل شيراز وأصفهان كفعل أهل بغداد، فرجعت الرسل إلى الملك فأخبروه بما جرى في ذلك، فأمر أن يؤتى بقضاة المدن الثلاث، فكان أول من أتى به منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز، والسلطان إذ ذاك في موضع يُعْرَف بقراباغ وهو موضع مصيفه، فلما وَصَلَ القاضي أَمَرَ أن يُرْمَى به إلى الكلاب التي عنده، وهي كلاب ضخام في أعناقها السلاسل معدة لأكل بني آدم، فإذا أوتي بمن يسلط عليه الكلاب جُعِلَ في رحبة كبيرة مطلَقًا غير مقيَّد، ثم بُعِثَت تلك الكلاب عليه فيفر أمامها ولا مَفَرَّ له، فتُدْرِكُه فتمزقه وتأكل لحمه، فلما أُرْسِلَت الكلاب على القاضي مجد الدين ووصلت إليه بصبصَتْ إليه وحَرَّكَتْ أذنابها بين يديه ولم تهجم عليه بشيء، فبلغ ذلك السلطان، فخرج من داره حافي القدمين فأكب على رجلي القاضي يقبلهما، وأَخَذَ بيده وخلع عليه جميع ما كان عليه من الثياب وهي أعظم كرامات السلطان عندهم، وإذا خَلَعَ ثيابه كذلك على أحدٍ كانت شرفًا له ولبنيه وأعقابه يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو شيء منها وأعظمها في ذلك السراويل، ولما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده وأدخله إلى داره وأمر نساءه بتعظيمه والتبرك به، ورَجَع السلطان عن مذهب الرفض، وكتب إلى بلاده أن يُقَرَّ الناس على مذهب أهل السنة والجماعة، وأَجْزَلَ العطاء للقاضي وصَرَفَه إلى بلاده مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا، وأعطاه في جملة عطاياه مائة قرية من قرى جمكان، وهو خندق بين جبلين طوله أربعة وعشرون فرسخًا يشقه نهر عظيم، والقرى منتظمة بجانبيه، وهو أحسن موضع بشيراز.

ومن قراه العظيمة التي تضاهي المدن قرية ميمن وهي للقاضي المذكور، ومن عجائب هذا الموضع المعروف بجمكان أن نصفه مما يلي شيراز وذلك مسافة اثني عشر فرسخًا شديد البرد وينزل فيه الثلج، وأكثر شجره الجوز، والنصف الآخر مما يلي بلاد هنج وبال وبلاد اللار في طريق هرمز شديد الحر وفيه شجر النخيل، وقد تَكَرَّرَ لي لقاء القاضي مجد الدين ثانيةً حين خروجي من الهند، قَصَدْتُه من هرمز متبركًا بلقائه وذلك سنة ثمانٍ وأربعين، وبين هرمز وشيراز مسيرة خمسة وثلاثين يومًا، فدخلتُ عليه وهو قد ضَعُفَ عن الحركة، فسَلَّمْتُ عليه فعرفني وقام إليَّ فعانقني، ووقعت يدي على مرفقه وجلده لاصق بالعظم لا لحم بينهما، وأنزلني بالمدرسة حيث أنزلني أول مرة، وزرته يومًا فوجدْتُ ملك شيراز السلطان أبا إسحاق — وسيقع ذِكْرُهُ — قاعدًا بين يديه ممسكًا بأذن نفسه، وذلك هو غاية الأدب عندهم، ويفعله الناس إذا قعدوا بين يدي الملك، وأتيته مرة أخرى إلى المدرسة فوجدت بابها مسدودًا، فسألت عن سبب ذلك فأُخْبِرْتُ أن أم السلطان وأخته نشأت بينهما خصومة في ميراث فصرفهما إلى القاضي مجد الدين فوَصَلَتَا إليه إلى المدرسة وتَحَاكَمَتَا عنده وفصل بينهما بواجب الشرع وأهل شيراز لا يدعونه بالقاضي، وإنما يقولون له مولانا أعظم، وكذلك يكتبون في التسجيلات والعقود التي تفتقر إلى ذِكْر اسمه فيها، وكان آخر عهدي به في شهر ربيع الثاني من عام ثمانية وأربعين وسبعمائة، ولاحت عليَّ أنواره وظَهَرَتْ لي بركاته — نَفَعَ الله به وبأمثاله.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.