من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان شيزار
وسلطان شيراز في عهد قدومي عليها الملك الفاضل أبو إسحاق بن محمد شاه ينجو، سَمَّاه أبوه باسم الشيخ أبي إسحاق الكازروني نفع الله به، وهو من خيار السلاطين حَسَن الصورة والسيرة والهيئة كريم النفس جميل الأخلاق متواضعٌ صاحبُ قوةٍ ومُلْكٍ كبير وعسكَرُه ينيف على خمسين ألفًا من الترك والأعاجم وبطانته الأدنون إليه أهل أصفهان، وهو لا يأتمن أهل شيراز على نفسه ولا يستخدمهم ولا يقربهم ولا يبيح لأحد منهم حَمْل السلاح؛ لأنهم أهل نجدة وبأس شديد وجراءة على الملوك ومن وُجِدَ بيده السلاح منهم عُوقِبَ، ولقد شاهَدْتُ مرة رجلًا تجره الجنادرة — وهم الشرط — إلى الحاكم وقد ربطوه في عنقه، فسألت عن شأنه فأُخْبِرْتُ أنه وُجِدَتْ في يده قوس بالليل، فذهب السلطان المذكور إلى قهر أهل شيراز وتفضيل الأصفهانيين عليهم؛ لأنه يَخَافُهُم على نَفْسِه، وكان أبوه محمد شاه ينجو واليًا على شيراز من قِبَل ملك العراق، وكان حَسَنَ السيرة محبَّبًا إلى أهلها، فلما تُوُفِّيَ وَلَّى السلطان أبو سعيد مكانَه الشيخَ حسينًا وهو ابن الجوبان أمير الأمراء — وسيأتي ذِكْرُه — وبعث معه العساكر الكثيرة، فوصل إلى شيراز وملكها وضبط مجابيها وهي من أعظم بلاد الله مجبًى، ذَكَرَ لي الحاج قوام الدين الطمغجي — وهو والي المجبى بها — أنه ضمنها بعشرة آلاف دينار دراهم في كل يوم وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار ذهبًا، وأقام بها الأمير حسين مدة ثم أراد القدوم على ملك العراق فقُبِضَ على أبي إسحاق بن محمد شاه ينجو وعلى أخويه ركن الدين ومسعود بك وعلى والدته طاش خاتون، وأراد حَمْلَهُم إلى العراق ليطلبوا بأموال أبيهم، فلما توسطوا السوق بشيراز كشفت طاش خاتون وجهها وكانت متبرقعةً حياءَ أن تُرى في تلك الحال، فإن عادة نساء الأتراك أن لا يغطين وجوههن، واستغاثت بأهل شيراز وقالت: أهكذا يا أهل شيراز أَخْرُجُ من بينكم وأنا فلانة زوجة فلان؟ فقام رجل من النجارين يسمى بهلوان محمود قد رأيته بالسوق حين قدومي على شيراز، فقال: لا نتركها تخرج من بلدنا ولا نرضى بذلك، فتابعه الناس على قوله وثارت عامَّتُهم ودخلوا في السلاح وقتلوا كثيرًا من العسكر، وأخذوا الأموال وخَلَّصُوا المرأة وأولادها.
وفَرَّ الأمير حسين ومَنْ معه وقدم على السلطان أبي سعيد مهزومًا فأعطاه العساكر الكثيفة وأَمَرَهُ بالعود إلى شيراز والتَّحَكُّم في أهلها بما شاء، فلما بلغ أهلها ذلك علموا أنهم لا طاقة لهم به، فقصدوا القاضي مجد الدين وطلبوا منه أن يحقن دماء الفريقين ويوقع الصلح، فخرج إلى الأمير حسن، فترجل له الأمير عن فرسه وسلم عليه ووقع الصلح ونزل الأمير حسين ذلك اليوم خارج المدينة، فلما كان من الغد برز أهلها للقائه في أجمل ترتيب وزينوا البلد وأوقدوا الشمع الكثير، ودخل الأمير حسين في أُبَّهة وحفل عظيم وسار فيهم بأحسن سيرة، فلما مات السلطان أبو سعيد وانقرض عقبه وتَغَلَّبَ كل أمير على ما بيده خافَهُم الأمير حسين على نفسه وخَرَجَ عنهم، وتَغَلَّبَ السلطان أبو إسحاق عليها وعلى أصفهان وبلاد فارس وذلك مسيرة شهر ونصف شهر، واشتدت شوكته وطمحت هِمَّتُه إلى تَمَلُّك ما يليه من البلاد، فبدأ بالأقرب منها وهي مدينة بزد، مدينة حسنة نظيفة عجيبة الأسواق ذات أنهار مطردة وأشجار نضيرة وأهلها تجار شافعية المذهب، فحاصَرَها وتَغَلَّبَ عليها وتَحَصَّنَ الأمير مظفر شاه ابن الأمير محمد شاه ابن مظفر بقلعة على ستة أميال منها منيعة تحدق بها الرمال، فحاصره بها فظَهَرَ من الأمير مظفر من الشجاعة ما خَرَقَ المعتاد ولم يُسْمَع بمثله، فكان يَضْرِب على عسكر السلطان أبي إسحاق ليلًا ويَقْتُل ما شاء ويخرق المضارب والفساطيط ويعود إلى قلعته فلا يقدر على النَّيْل منه، وضرب ليلة على دوار السلطان وقَتَلَ هنالك جماعة وأخذ من عتاق خيله عشرة وعاد إلى قلعته، فأمر السلطان أن تركب في كل ليلة خمسة آلاف فارس ويصنعون له الكمائن ففعلوا ذلك، وخرج على عادته في مائة من أصحابه فضرب على العسكر وأحاطت به الكمائن وتلاحَقَتْ العساكر فقاتلهم وخلص إلى قلعته، ولم يصب من أصحابه إلا واحدًا أُتِيَ به إلى السلطان أبي إسحاق فخلع عليه وأطلقه وبعث معه أمانًا لمظفر لينزل إليه فأبى ذلك، ثم وقعت بينهما المراسلة، ووقعت له محبة في قلب السلطان أبي إسحاق لِمَا رأى من شجاعته فقال: أريد أن أراه، فإذا رأيتُهُ انصرفْتُ عنه.
فوقف السلطان في خارج القلعة ووقف هو ببابها وسلم عليه، فقال له السلطان: انزل على الأمان، فقال له: أفعل ذلك، فدخل إليه السلطان في عشرة من أصحابه الخواص، فلما وصل باب القلعة تَرَجَّلَ مظفر وقبل ركابه ومشى بين يديه مترجلًا فأدخله داره وأَكَلَ من طعامه ونزل معه إلى المحلة راكبًا فأجلسه السلطان إلى جانبه وخلع عليه ثيابه وأعطاه مالًا عظيمًا، ووَقَعَ الاتفاق بينهما أن تكون الخطبة باسم السلطان أبي إسحاق وتكون البلاد لمظفر وأبيه وعاد السلطان إلى بلاده، وكان السلطان أبو إسحاق طمح ذات مرة إلى بناء إيوان كإيوان كسرى، وأمر أهل شيراز أن يتولوا حَفْر أساسه فأخذوا في ذلك، وكان أهل كل صناعة يباهون كل من عداهم، فانتهوا في المباهاة إلى أن صنعوا القفاف لنقل التراب من الجلد وكسوها ثياب الحرير المزركش، وفعلوا نحو ذلك في براذع الدواب وإخراجها، وصَنَعَ بعضهم الفئوس من الفضة وأوقدوا الشمع الكثير، وكانوا حين الحفر يلبسون أجمل ثيابهم ويربطون فوط الحرير على أوساطهم والسلطان يشاهد أفعالهم من منظرة له، وقد شاهدت هذا المبنى وقد ارتفع عن الأرض نحو ثلاثة أذرع، ولما بُنِيَ أساسه رُفِعَ عن أهل المدينة التخديم فيه وصارت الفَعَلَة تَخْدُم فيه بالأجرة ويُحْشَر لذلك آلاف منهم، وسمعْتُ والي المدينة يقول: إن معظم مجباها يُنْفَق في ذلك البناء، وقد كان الموكل به الأمير جلال الدين بن الفلكي التوريزي وهو من الكبار، كان أبوه نائبًا عن وزير السلطان أبي سعيد المسمى علي شاه جيلان، ولهذا الأمير جلال الدين الفلكي أخٌ فاضل اسمه هبة الله ويُلَقَّب بهاءَ الملك، وفد على ملك الهند حين وفودي عليه، ووفد معنا شرف الملك أمير يخت فخلع ملك الهند علينا جميعًا وقَدَّم كل واحد في شغل يليق به وعَيَّنَ لنا المرتب والإحسان وسنذكر ذلك، وهذا السلطان أبو إسحاق يريد التشبه بمَلِك الهند المذكور في الإيثار وإجزال العطايا، ولكن أين الثريا من الثرى؟ أو أعظم ما تَعَرَّفْنا من عطيات أبي إسحاق أنه أعطى الشيخ زاده الخراساني الذي أتاه رسولًا عن ملك هراة سبعين ألف دينار، وأما ملك الهند فلم يَزَلْ يعطي أضعاف ذلك لمن لا يُحْصى كثرةً من أهل خراسان وغيرهم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع