من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر المتغلبين على المُلْك بعد موت السلطان أبي سعيد
فمنهم الشيخ حسن ابن عمته الذي ذكرناه آنفًا، تَغَلَّبَ على عراق العرب جميعًا ومنهم إبراهيم شاه ابن الأمير سنيتة، تَغَلَّبَ على الموصل وديار بكر، ومنهم الأمير أرتنا، تَغَلَّبَ على بلاد التركمان المعروفة أيضًا ببلاد الروم، ومنهم حسن خواجة بن الدمرطاش بن الجوبان، تغلب على تبريز والسلطانية وهمدان وقم وقاشان والري ورامين وفرغان والكرج، ومنهم الأمير طغيتمور، تَغَلَّبَ على بعض بلاد خراسان، ومنهم الأمير حسين ابن الأمير غياث الدين، تَغَلَّبَ على هراة ومعظم بلاد خراسان، ومنهم ملك دينار، تَغَلَّبَ على بلاد مكران وبلاد كبج، ومنهم محمد شاه بن مظفر، تَغَلَّبَ على بزد وكرمان وورقو، ومنهم الملك قطب الدين تمهتن، تَغَلَّبَ على هرمز وكيش والقطيف والبحرين وقلهات، ومنهم السلطان أبو إسحاق الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه، تَغَلَّبَ على شيراز وأصفهان وملك فارس وذلك مسيرة خمس وأربعين، ومنهم السلطان أفراسياب أتابك، تَغَلَّبَ على إيذج وغيرها من البلاد وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُه، (ولنعد إلى ما كنا بسبيله)، ثم خرجْتُ من بغداد في محلة السلطان أبي سعيد وغرضي أن أشاهد ترتيب ملك العراق في رحيله ونزوله وكيفية تنقُّله وسفره، وعادتهم أنهم يرحلون عند طلوع الفجر وينزلون عند الضحى، وترتيبهم أن يأتي كل أمير من الأمراء بعسكره وطبوله وأعلامه، فيقف في موضع لا يتعداه قد عُيِّنَ له إما في الميمنة أو الميسرة، فإذا توافَوْا جميعًا وتكامَلَتْ صفوفهم رَكِبَ الملك وضُرِبَتْ طبول الرحيل وبُوقاته وأنفاره، وأتى كل أمير منهم فسَلَّمَ على الملك وعاد إلى موقفه، ثم يتقدم أمام الملك الحُجَّاب والنقباء، ثم يليهم أهل الطرب وهم نحو مائة رجل عليهم الثياب الحسنة وتحتهم مراكب السلطان، وأمام أهل الطرب عشرة من الفرسان قد تقلدوا عشرة من الطبول وخمسة من الفرسان لديهم خمس صرنايات وهي تسمى عندنا بالغيطات، فيضربون تلك الأطبال والصرنايات ثم يمسكون ويغني عشرة من أهل الطرب نوبتهم، فإذا قَضَوْها ضُرِبَتْ تلك الأطبال والصرنايات ثم أمسكوا وغنى عشرة آخرون نوبتهم … هكذا إلى أن تتم عشر نوبات، فعند ذلك يكون النزول، ويكون عن يمين السلطان وشماله حين سيره كبار الأمراء وهم نحو خمسين ومن ورائه أصحاب الأعلام والأطبال والأنفار والبوقات ثم مماليك السلطان ثم الأمراء على مراتبهم.
وكل أمير له أعلام وطبول وبوقات، ويتولى ترتيب ذلك كله أمير جندر وله جماعة كبيرة، وعقوبة من تَخَلَّفَ عن فوجه وجماعته أن يؤخذ تماقه فيملأ رملًا ويُعَلَّق في عنقه ويمشي على قدميه حتى يبلغ المنزل فيؤتى به إلى الأمير فيُبْطَح على الأرض ويُضْرَب خمسًا وعشرين مقرعة على ظهره، سواء كان رفيعًا أو وضيعًا لا يحاشون من ذلك أحدًا، وإذا نزلوا ينزل السلطان ومماليكه في محلة على حدة، وتنزل كل خاتون من خواتينه في محلة على حدة، ولكل واحدة منهن الإمام والمؤذنون والقراء والسوق، وينزل الوزراء والكتاب وأهل الأشغال على حدة، وينزل كل أمير على حدة ويأتون جميعًا إلى الخدمة بعد العصر ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة والمشاعل بين أيديهم، فإذا كان الرحيل ضُرِبَ الطبل الكبير ثم يُضْرَب طبل الخاتون الكبرى التي هي الملكة، ثم أطبال سائر الخواتين ثم طبل الوزير ثم أطبال الوزراء دفعة واحدة، ثم يركب أمير المقدمة في عسكره ثم يتبعه الخواتين ثم أثقال السلطان وزاملته وأثقال الخواتين، ثم أمير ثانٍ في عسكر له يمنع الناس من الدخول فيما بين الأثقال والخواتين ثم سائر الناس. وسافرْتُ في هذه المحلة عشرة أيام، ثم صحبت الأمير علاء الدين محمد إلى بلدة تبريز وكان من الأمراء الكبار الفضلاء فوصلنا بعد عشرة أيام إلى مدينة تبريز ونزلنا بخارجها في موضع يُعْرَف بالشام، وهنالك قبر قازان ملك العراق وعليه مدرسة حسنة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر من الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء، وأَنْزَلَنِي الأمير بتلك الزاوية وهي ما بين أنهار متدفقة وأشجار مورقة.
وفي غدِ ذلك اليوم دَخَلْتُ المدينة على باب يُعْرَف بباب بغداد، ووصلنا إلى سوق عظيمة تُعْرَف بسوق قازان من أحسن سوق رأيتها في بلاد الدنيا، كل صناعة فيها على حدة لا تخالطها أخرى، واجْتَزْتُ بسوق الجوهريين فَحَارَ بَصَرِي مما رأيته من أنواع الجواهر وهي بأيدي مماليك حسان الصور عليهم الثياب الفاخرة وأوساطهم مشدودة بمناديل الحرير وهم بين أيدي التجار يعرضون الجواهر على نساء الأتراك وهن يشترينه كثيرًا ويتنافسن فيه، فرأيت من ذلك كله فتنة يستعاذ بالله منها، ودخلنا سوق العنبر والمسك فرأينا مثل ذلك أو أعظم، ثم وصلنا إلى المسجد الجامع الذي عَمَرَه الوزير علي شاه المعروف بجيلان وبخارجه عن يمين مستقبل القبلة مدرسة، وعن يساره زاوية وصحنه مفروش بالمرمر وحيطانه بالقاشاني وهو شبه الزليج ويشقه نهر ماء، وبه أنواع الأشجار ودوالي العنب وشجر ياسمين، ومن عاداتهم أنهم يقرءون به كل يوم سورة يس وسورة الفتح وسورة عم بعد صلاة العصر في صحن المسجد ويجتمع لذلك أهل المدينة، وبِتْنا ليلة بتبريز ثم وصل بالغد أَمْر السلطان أبي سعيد إلى الأمير علاء الدين بأن يَصِلَ إليه فعُدْتُ معه، ولم أَلْقَ بتبريز أحدًا من العلماء، ثم سافرنا إلى أن وصلنا محلة السلطان فأعلمه الأمير المذكور بمكاني وأدخلني عليه فسألني عن بلادي وكساني وأركبني، وأعلمه الأمير أني أريد السفر إلى الحجاز الشريف، فأمر لي بالزاد والركوب في السبيل من المحمل وكتب لي بذلك إلى أمير بغداد خواجة معروف، فعدت إلى مدينة بغداد واستوفيت ما أَمَرَ لي به السلطان، وكان قد بقي لأوان سفر الركب أزيد من شهرين، فظهر لي أن أسافر إلى الموصل وديار بكر لأشاهد تلك البلاد وأعود إلى بغداد في حينِ سَفَرِ الرَّكْب فأتوجه إلى الحجاز الشريف، فخرجت من بغداد إلى منزلٍ على نهر دجيل وهو يتفرع عن دجلة فيسقي قرًى كثيرة، ثم نزلنا بعد يومين بقرية كبيرة تُعْرَف بحربة، مخصبة فسيحة.
ثم رحلنا فنزلنا موضعًا على شط دجلة بالقرب من حصنٍ يُسَمَّى المعشوق وهو مبني على الدجلة، وفي العدوة الشرقية من هذا الحصن مدينة سُرَّ مَنْ رأى، وتُسَمَّى أيضًا سامرا، ويقال لها: سام راه، ومعناه بالفارسية طريق سام، وراه هو الطريق، وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يَبْقَ منها إلا القليل، وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها ودروس معالمها، وفيها أيضًا مشهد صاحب الزمان كما بالحلة، ثم سرنا منها مرحلةً ووصلنا إلى مدينة تكريت، وهي مدينة كبيرة فسيحة الأرجاء مليحة الأسواق كثيرة المساجد وأهلها موصوفون بحسن الأخلاق، والدجلة في الجهة الشمالية منها، ولها قلعة حصينة على شط الدجلة، والمدينة عتيقة البناء عليها سور يطيف بها، ثم رحلنا منها مرحلتين ووصلنا إلى قرية تُعْرَف بالعقر على شط الدجلة وبأعلاها ربوة كان بها حصن وبأسفلها الخان المعروف بخان الحديد، له أبراج وبناؤه حافل والقرى والعمارة متصلة من هنالك إلى الموصل، ثم رحلنا ونزلنا موضعًا يُعْرَف بالقيارة بمقربة من دجلة، وهنالك أرض سوداء فيها عيون تنبع بالقار ويُصْنَع له أحواض ويجتمع فيه فتراه شبه الصلصال على وجه الأرض حالِك اللون صقيلًا رطبًا وله رائحة طيبة، وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق فتقذفه إلى جوانبها فيصير أيضًا قارًّا، وبمقربة من هذا الموضع عين كبيرة، فإذا أرادوا نقل القار منها أوقدوا عليها النار فتُنَشِّف النار ما هنالك من رطوبة مائية ثم يقطعونه قطعًا وينقلونه، وقد تَقَدَّمَ لنا ذِكْر العين التي بين الكوفة والبصرة على هذا النحو، ثم سافرنا من هذه العيون مرحلتين ووصلنا بعدهما إلى الموصل.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع