من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها: حكاية (٣)
ولما ركبنا البحر أَمَرَ الشريف منصور أَحَدَ غلمانه أن يأتيه بعديلة دقيق وهي نصف حمل وبطة سمن يأخذهما من جلب أهل اليمن، فأخذهما وأتى بهما إليه، فأتاني التُّجَّار بَاكِينَ وذكروا لي أن في جوف تلك العديلة عشرة آلاف درهم نقرة، ورغبوا مني أن أكلمه في ردها وأن يأخذ سواها، فأتيته وكلمته في ذلك، وقلت له: إن للتجار في جوف هذه العديلة شيئًا، فقال: إن كان سكرًا فلا أرده إليهم، وإن كان سوى ذلك فهو لهم، ففتحوها فوجدوا الدراهم فردها عليهم وقال لي: لو كان عجلان ما ردها، وعجلان هو ابن أخيه رميثة، وكان قد دخل في تلك الأيام دارَ تاجر من أهل دمشق قاصدًا لليمن فذهب بمعظم ما كان فيها، وعجلان هو أمير مكة على هذا العهد وقد صلح حاله وأظهر العدل والفضل، ثم سافرنا في هذا البحر بالريح الطيبة يومين، وتغيرت الريح بعد ذلك وصَدَّتْنا عن السبيل التي قصدناها، ودَخَلَتْ أمواج البحر معنا في المركب واشتد الميد بالناس، ولم نَزَلْ في أهوالٍ حتى خرجنا في مرسى يُعْرَف برأس دوائر فيما بين عيذاب وسواكن، فنزلنا به ووجدنا بساحله عريشَ قَصَبٍ على هيئة مسجد، وفيه كثير من قشور بيض النعام مملوءة ماء فشربنا منه وطبخنا، ورأيت بذلك المرسى عجبًا، وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر، فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به، وقد امتلأ سمكًا كل سمكة منها قدر الذراع ويَعْرِفُونه بالبوري، فطَبَخَ منه الناس كثيرًا واشتروا، وقَصَدَتْ إلينا طائفة من البجاة وهم سكان تلك الأرض سود الألوان لباسهم الملاحف الصفر ويشدون على رءوسهم عصائب حمرًا في عَرْض الأصبع، وهم أهل نجدة وشجاعة، وسلاحهم الرماح والسيوف، ولهم جِمَال يُسَمُّونها الصهب يركبونها بالسروج، فاكترينا منهم الجمال وسافرنا معهم في برية كثيرة الغزلان والبجاة لا يأكلونها فهي تأنس بالآدمي ولا تنفر منه، وبعد يومين من مسيرنا وصلنا إلى حيٍّ من العرب يُعْرَفون بأولاد كاهل مُخْتَلِطِين بالبجاة عارفين بلسانهم، وفي ذلك اليوم وَصَلْنَا إلى جزيرة سواكن وهي على نحو ستة أميال من البر ولا ماء بها ولا زَرْع ولا شجر، والماء يُجْلَب إليها في القوارب وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر، وهي جزيرة كبيرة وبها لحوم النعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يُجْلَب إلى مكة، وحبوبهم الجرجور وهو نوع من الذرة كبير الحب يُجْلَب منها أيضًا إلى مكة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع