من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر سلطانها
وكان سلطان جزيرة سواكن حين وصولي إليها الشريف زيد بن أبي نمى وأبوه أمير مكة وأخواه أميراها بعده، وهما عطيفة ورميثة اللذان تَقَدَّمَ ذِكْرُهما، وصارت إليه من قِبَل البجاة، فإنهم أخواله ومعه عسكر من البجاة وأولاده كاهل وعرب جهينة، وركبنا البحر من جزيرة سواكن نريد أرض اليمن، وهذا البحر لا يُسَافَر فيه بالليل لكثرة أحجاره، وإنما يسافرون فيه من طلوع الشمس إلى غروبها ويرسون وينزلون إلى البر، فإذا كان الصباح صعدوا إلى المركب، وهم يُسَمُّون رئيس المركب الربان، ولا يزال أبدًا في مقدم المركب ينبه صاحب السكان على الأحجار وهم يسمونها النبات، وبعد ستة أيام من خروجنا عن جزيرة سواكن وَصَلْنَا إلى مدينة حَلِي (وضبط اسمها بفتح الحاء المهمل وكسر اللام وتخفيفها)، وتُعْرَف باسم ابن يعقوب، وكان من سلاطين اليمن ساكنًا بها قديمًا، وهي كبيرة حسنة العمارة يسكنها طائفتان من العرب: وهم بنو حرام، وبنو كنانة، وجامع هذه المدينة من أحسن الجوامع، وفيه جماعة من الفقراء المنقطعين إلى العبادة، منهم الشيخ الصالح العابد الزاهد قبولة الهندي من كبار الصالحين، لباسه مرقعة وقلنسوة لبدوله خلوة متصلة بالمسجد فرشها الرمل لا حصير بها ولا بساط، ولم أرَ بها حين لقائي له شيئًا إلا إبريق الوضوء وسفرة من خوص النخيل فيها كسر شعير يابسة وصحيفة فيها ملح وسعتر، فإذا جاءه أحد قَدَّمَ بين يديه ذلك، ويسمع به أصحابه فيأتي لكل واحد منهم بما حضر من غير تكلُّفِ شيء، وإذا صلوا العصر اجتمعوا للذكر بين يدي الشيخ إلى صلاة المغرب، وإذا صلوا المغرب أخذ كل واحد منهم موقفه للتنقل فلا يزالون كذلك إلى صلاة العشاء الآخرة، فإذا صلوا العشاء الآخرة أقاموا على الذكر إلى ثلث الليل ثم انصرفوا ويعودون في أول الثلث الثالث إلى المسجد فيتهجدون إلى الصبح، ثم يَذْكُرون إلى أن تحين صلاة الإشراق فينصرفون بعد صلاتها، ومنهم من يقيم إلى أن يصلي صلاة الضحى بالمسجد، وهذا دأبهم أبدًا، ولقد كُنْتُ أَرَدْتُ الإقامة معهم باقي عمري، فلم أُوَفَّقْ لذلك، والله تعالى يتداركنا بلطفه وتوفيقه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع