تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها: حكاية

ذُكِرَ لي أن امرأة أتت هذا القاضي وهو خارج من المسجد ولم تكن تَعْرِفُه، فقالت له: يا شيخ أين يجلس القاضي؟ فقال لها: وما تريدين منه؟ فقالت له: إن زوجي ضربني وله زوجة ثانية وهو لا يعدل بيننا في القسم، وقد دعوته إلى القاضي فأبى، وأنا فقيرة ليس عندي ما أعطيه لرجال القاضي حتى يُحْضِروه بمجلسه، فقال لها: وأين منزل زوجك؟ فقالت: بقرية الملاحين خارج المدينة، فقال لها: أنا أذهب معك إليه، فقالت: والله ما عندي شيء أعطيك إياه، فقال لها: وأنا لا آخذ منك شيئًا، ثم قال لها: اذهبي إلى القرية وانتظريني خارجها فإني على أثرك، فذهبت كما أَمَرَهَا وانتظرَتْه فوصل إليها وليس معه أحد، وكانت عادته أن لا يَدَعَ أحدًا يتْبَعُه، فجاءت به إلى منزل زوجها، فلما رآه قال لها: ما هذا الشيخ النحس الذي معك؟ فقال له: نعم والله أنا كذلك، ولكن أَرْضِ زوجتك، فلما طال الكلام جاء الناس فعرفوا القاضي وسلموا عليه وخاف ذلك الرجل وخَجِلَ، فقال له القاضي: لا عليك، أَصْلِحْ ما بينك وبين زوجتك، فأرضاها الرجل من نفسه وأعطاهما القاضي نفقةَ ذلك اليوم وانصرف. لقيتُ هذا القاضي وأضافني بداره، ثم رحلت عائدًا إلى بغداد فوصلت إلى مدينة الموصل التي ذكرناها فوجدْتُ ركبها بخارجها متوجهين إلى بغداد وفيهم امرأة صالحة عابدة تسمى بالست زاهدة، وهي من ذرية الخلفاء حَجَّتْ مرارًا وهي ملازمة الصوم، سَلَّمْتُ عليها وكنت في جوارها ومعها جملة من الفقراء يخدمونها، وفي هذه الوجهة تُوُفِّيَتْ رحمة الله عليها، وكانت وفاتها بزرود ودُفِنَتْ هنالك.

ثم وصلنا إلى مدينة بغداد فوجدت الحاجَّ في أهبة الرحيل، فقَصَدْتُ أميرها معروف خواجة فطلبت منه ما أَمَرَ لي به السلطان فعَيَّنَ لي شقة محارة وزاد أربعة من الرجال وماءهم، وكتب لي بذلك ووَجَّهَ إلى أمير الركب وهو البهلوان محمد الحويج فأوصاه بي، وكانت المعرفة بيني وبينه متقدمة فزادها تأكيدًا، ولم أَزَلْ في جواره وهو يُحْسِن إلي ويزيدني على ما أَمَرَ لي به، وأصابني عند خروجنا من الكوفة إسهالٌ، فكانوا ينزلونني من أعلى المحمل مرات كثيرة في اليوم، والأمير يتفقد حالي ويوصي بي، ولم أَزَلْ مريضًا حتى وَصَلْتُ مكة حرم الله تعالى — زادها الله شرفًا وتعظيمًا — وطُفْتُ بالبيت الحرام — كَرَّمَه الله تعالى — طواف القدوم وكنت ضعيفًا بحيث أؤدي المكتوبة قاعدًا، فطُفْتُ وسعيت بين الصفا والمروة راكبًا على فرس الأمير الحويج المذكور، ووقَفْنَا تلك السنة يومَ الإثنين، فلما نزلنا مِنًى أَخَذْتُ في الراحة والاستقلال من مرضي، ولما انقضى الحاج أقمْتُ مجاورًا بمكة تلك السنة وكان بها الأمير علاء الدين بن هلال مشيد (مشد) الدواوين مقيمًا لعمارة دار الوضوء بظاهر العطارين من باب بني شيبة وجاوَرَ في تلك السنة من المصريين جماعة من كبرائهم، منهم تاج الدين بن الكويك ونور الدين القاضي وزين الدين بن الأصيل وابن الخليلي وناصر الدين الأسيوطي، وسكنْتُ تلك السنة بالمدرسة المظفرية وعافاني الله من مرضي، فكنت في أنعم عيش، وتفرغْتُ للطواف والعبادة والاعتمار، وأتى في أثناء تلك السنة حُجَّاج الصعيد، وقَدِمَ معهم الشيخ الصالح نجم الدين الأصفوني وهي أول حجة حَجَّهَا، والأخوان علاء الدين علي وسراج الدين عمر ابنا القاضي الصالح نجم الدين البالسي قاضي مصر وجماعة غيرهم.

وفي منتصف ذي القعدة وصل الأمير سيف الدين يلملك وهو من الفضلاء، ووصل في صحبته جماعة من أهل طنجة بلدي حرسها الله، منهم الفقيه أبو عبد الله محمد ابن القاضي أبي العباس ابن القاضي الخطيب أبي القاسم الجراوي، والفقيه أبو عبد الله بن عطاء الله، والفقيه أبو محمد عبد الله الحضري، والفقيه أبو عبد الله المرسي وأبو العباس بن الفقيه أبي علي البلنسي، وأبو محمد ابن القابلة، وأبو الحسن البياري، وأبو العباس بن نافوت، وأبو الصبر أيوب الفخار، وأحمد بن حكامة، ومن أهل قصر المجاز الفقيه أبو زيد عبد الرحمن ابن القاضي أبي العباس بن خلوف، ومن أهل القصر الكبير الفقيه أبو محمد بن مسلم، وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى وولده، ووصل في تلك السنة الأمير سيف الدين تقز دمور من الخاصكية، والأمير موسى بن قرمان، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش كاتب المماليك، والتاج أبو إسحاق، والست حدق مربية الملك الناصر، وكانت لهم صدقات عميمة بالحرم الشريف وأكثرهم صدقة القاضي فخر الدين، وكانت وَقْفَتُنا في تلك السنة في يوم الجمعة من عام ثمانٍ وعشرين، ولما انقضى الحج أقمت مجاورًا بمكة — حرسها الله — سنة تسع وعشرين، وفي هذه السنة وصل أحمد بن الأمير رميثة ومبارك بن الأمير عطيفة من العراق صحبة الأمير محمد الحويج والشيخ زاده الحرباوي والشيخ دانيال، وأتوا بصدقات عظيمة للمجاورين وأهل مكة من قبل السلطان أبي سعيد ملك العراق، وفي تلك السنة ذُكِرَ اسمه في الخطبة بعد ذِكْر الملك الناصر ودَعَوْا له بأعلى قبة زمزم، وذَكَرُوا بعده سلطان اليمن الملك المجاهد نور الدين، ولم يوافق الأمير عطيفة على ذلك وبعث شقيقه منصورًا ليُعْلِم الملك الناصر بذلك، فأَمَرَ رميثة برده فرَدَّ فبعثه ثانية على طريق جدة حتى أعلم الملك الناصر بذلك، ووقفنا تلك السنة وهي سنة تسع وعشرين يوم الثلاثاء.

ولما انقضى الحج أقمت مجاورًا بمكة حرسها الله سنة ثلاثين، وفي موسمها وَقَعَت الفتنة بين أمير مكة عطيفة وبين أيدمور أمير جندار الناصري؛ وسبب ذلك أن تجارًا من أهل اليمن سرقوا فتشكوا إلى أيدمور بذلك، فقال أيدمور لمبارك بن الأمير عطيفة: ائْتِ بهؤلاء السراق، فقال: لا أعرفهم، فكيف نأتي بهم، وبعد فأهل اليمن تحت حكمنا ولا حُكْم عليهم لك، إن سُرِقَ لأهل مصر والشام شيء فاطلبني به، فشتمه أيدمور وقال له: يا قواد، تقول لي هكذا، وضربه على صدره فسقط ووقعت عمامته على رأسه وغضب له عبيده وركب أيدمور يريد عسكره فلحقه مبارك وعبيده فقتلوه وقتلوا ولده ووقعت الفتنة بالحرم، وكان به الأمير أحمد ابن عم الملك الناصر ورمى الترك بالنشاب فقتلوا امرأة قيل: إنها كانت تحرض أهل مكة على القتال، وركب من الركب من الأتراك وأميرهم خاص ترك فخرج إليهم القاضي والأئمة والمجاورون وفوق رءوسهم المصاحف، وحاولوا الصلح ودخل الحُجَّاج مكة فأخذوا ما لهم بها وانصرفوا إلى مصر، وبلغ الخبر إلى الملك الناصر فشق عليه، وبعث العساكر إلى مكة ففر الأمير عطيفة وابنه مبارك وخرج أخوه رميثة وأولاده إلى وادي نخلة، فلما وصل العسكر إلى مكة بعث الأمير رميثة أحد أولاده يطلب له الأمان ولولده فأمنوا وأتى رميثة وكفنه في يده إلى الأمير فخلع عليه وسلمت إليه مكة وعاد العسكر إلى مصر، وكان الملك الناصر رحمه الله حليمًا فاضلًا، فخرجْتُ في تلك الأيام من مكة شرفها الله تعالى قاصدًا بلاد اليمن، فوصلت إلى حدة (بالحاء المهمل المفتوح)، وهي نصب الطريق ما بين مكة وجُدَّة (بالجيم المضموم)، ثم وَصَلْتُ إلى جدة، وهي بلدة قديمة على ساحل البحر يقال: إنها من عمارة الفرس وبخارجها مصانع قديمة وبها جباب للماء منقورة في الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة، وكانت هذه السنة قليلة المطر وكان الماء يُجْلَب إلى جدة على مسيرة يوم، وكان الحجاج يسألون الماء من أصحاب البيوت.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.