من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر سلطان حلي: كرامة
ذَكَرُوا أن فقهاء الزيدية وكبراءهم أتوا مرة إلى زيارة الشيخ أحمد بن العجيل، فجلس لهم خارج الزاوية واستقْبَلَهم أصحابه، ولم يَبْرَح الشيخ عن موضعه، فسلموا عليه وصافحهم ورَحَّبَ بهم، ووَقَعَ بينهم الكلام في مسألة القدر، وكانوا يقولون أن لا قَدَرَ وأن المكلَّف يَخْلُق أفعاله، فقال لهم الشيخ: فإن كان الأمر على ما تقولون فقوموا على مكانكم هذا، فأرادوا القيام فلم يستطيعوا، وتركهم الشيخ على حالهم ودخل الزاوية وأقاموا كذلك واشتد بهم الحر ولحقهم وَهَجُ الشمس وضجوا مما نَزَلَ بهم، فدخل أصحاب الشيخ إليه وقالوا له: إن هؤلاء القوم قد تابوا إلى الله ورجعوا عن مذهبهم الفاسد، فخرج عليهم الشيخ فأخذ بأيديهم وعاهدهم على الرجوع إلى الحق وتَرْك مذهبهم السيئ، وأَدْخَلَهُم زاويته فأقاموا في ضيافته ثلاثًا وانصرفوا إلى بلادهم، وخَرَجْتُ لزيارة قبر هذا الرجل الصالح وهو بقرية يقال لها غسانة خارج زبيد، ولقيت ولده الصالح أبا الوليد إسماعيل فأضافني وبِتُّ عنده، وزُرْتُ ضريح الشيخ وأقمت معه ثلاثًا، وسافرت في صُحْبَته إلى زيارة الفقيه أبو الحسن الزيلعي، وهو من كبار الصالحين ويُقَدِّم حجاج اليمن إذا توجهوا للحج، وأهل تلك البلاد وأعرابها يعظمونه ويحترمونه، فوصلنا إلى جبلة وهي بلدة صغيرة حسنة ذات نخل وفواكه وأنهار، فلما سَمِعَ الفقيه أبو الحسن الزيلعي بقدوم الشيخ أبي الوليد استقبله وأنزله بزاويته وسلَّمْتُ عليه معه وأقمنا عنده ثلاثة أيام في خير مقام ثم انصرفنا، وبعث معنا أحد الفقراء فتوجهنا إلى مدينة تَعِز حضرة ملك اليمن (وضبط اسمها بفتح التاء المعلوة وكسر العين المهملة وزاء)، وهي من أحسن مدن اليمن وأعظمها وأهلها ذوو تجبُّر وتكبُّر وفظاظة، وكذلك الغالب على البلاد التي يسكنها الملوك، وهي ثلاث محلات؛ إحداها يسكنها السلطان ومماليكه وحاشيته وأرباب دولته وتسمى باسم لا أذكره، والثانية يسكنها الأمراء والأجناد وتسمى عدينة، والثالثة يسكنها عامة الناس وبها السوق العظمى وتسمى المحالب.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع