من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر قدوم ابن الخليفة عليه وأخباره
وكان الأمير غياث الدين محمد بن عبد القاهر بن يوسف بن عبد العزيز بن الخليفة المستنصر بالله العباسي البغدادي، قد وفد على السلطان علاء الدين طرة مشير ابن ملك ما وراء النهر، فأكرمه وأعطاه الزاوية التي على قبر قثم بن العباس — رضي الله عنهما — واستوطن بها أعوامًا، ثم لما سمع بمحبة السلطان في بني العباس وقيامه بدعوتهم، أحب القدوم عليه وبعث له برسولين أحدهما صاحبه القديم محمد بن أبي الشرقي الحرباوي، والثاني محمد الهمداني الصوفي، فقدما على السلطان وكان ناصر الدين الترمذي الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه، قد لقي غياث الدين ببغداد وشهد لديه البغداديون بصحة نسبه، فشهد هو عند السلطان بذلك، فلمَّا وصل رسولاه إلى السلطان أعطاهما خمسة آلاف دينار وبعث معهما ثلاثين ألف دينار إلى غياث الدين ليتزود بها إليه، وكتب له كتابًا بخط يده يعظمه فيه ويسأل منه القدوم عليه، فلمَّا وصله الكتاب رَحَلَ إليه، فلمَّا وصل إلى بلاد السند وكتب المخبرون بقدومه بعث السلطان من يستقبله على العادة، ثمَّ لما وَصَلَ إلى سرستي بعث أيضًا لاستقباله صدر الجهان قاضي القضاة كمال الدين الغزنوي وجماعة من الفقهاء، ثمَّ بعث الأمراء لاستقباله، فلمَّا نزل بمسعود آباد خارج الحضرة خَرَجَ السلطان بنفسه لاستقباله، فلمَّا الْتَقَيَا تَرَجَّلَ غياث الدين فتَرَجَّلَ له السلطان وخدم فخدم له السلطان، وكان قد استصحب هدية في جملتها ثياب، فأخذ السلطان أحد الأثواب وجعله على كتفه وخدم كما يفعل الناس معه، ثمَّ قدمت الخيل فأخذ السلطان أحدها بيده وقدمه له وحلف أن يركب وأمسك بركابه حتى ركب.
ثمَّ ركب السلطان وسايره والشطر يظلهما معًا، وأخذ التنبول بيده وأعطاه إياه وهذا أعظم ما أكرمه به، فإنه لا يفعله مع أحد، وقال له لولا أني بايعت الخليفة أبا العباس لبايعتك، فقال له غياث الدين وأنا أيضًا على تلك البيعة، وقال له غياث الدين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا: «من أحيا أرضًا مواتًا فهي له»، وأنت أحييتنا، فجاوبه السلطان بألطف جواب وأَبَرِّه، ولما وصلا إلى السراجة المُعَدَّة لنزول السلطان أَنْزَلَهُ فيها وضرب للسلطان غيرها، وباتا تلك الليلة بخارج الحضرة، فلمَّا كان بالغد دخلا إلى دار المُلْك وأنزله بالمدينة المعروفة بسيري، وبدار الخلافة أيضًا في القصر الذي بناه علاء الدين الخلجي وابنه قطب الدين، وأَمَرَ السلطان جميع الأمراء أن يمضوا معه إليه، وأَعَدَّ له فيه جميع ما يحتاج إليه من أواني الذهب والفضة، حتى كان من جملتها مغتسل يغتسل فيه من ذهب، وبعث له أربعمائة ألف دينار لغسل رأسه على العادة، وبعث له جملة من الفتيان والخدم والجواري، وعَيَّنَ له عن نفقته في كل يوم ثلاثمائة دينار، وبعث له زيادة إليها عددًا من الموائد بالطعام الخاص، وأعطاه جميع مدينة سيري إقطاعًا، وجميع ما احْتَوَتْ عليه من الدور، وما يتصل بها من بساتين المخزن وأرضه، وأعطاه مائة قرية، وأعطاه حُكْم البلاد الشرقية المضافة لدهلي، وأعطاه ثلاثين بغلة بالسروج المذهبة ويكون علفها من المخزن، وأمره ألَّا ينزل عن دابته إذا أتى دارَ السلطان، إلَّا في موضع خاصٍّ لا يدخله أحد راكبًا سوى السلطان، وأَمَرَ الناس جميعًا من كبير وصغير أن يخدموا له كما يخدمون للسلطان، وإذا دخل على السلطان ينزل له عن سريره، وإن كان على الكرسي قام قائمًا وخدم كل واحد منهما لصاحبه، ويجلس مع السلطان على بساط واحد، وإذا قام قام السلطان لقيامه وخدم كل واحد منهما لصاحبه، وإذا انصرف إلى خارجِ المجلس جُعِلَ له بساط يقعد عليه ما شاء، ثمَّ ينصرف؛ يفعل هذا مرتين في اليوم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع