تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر عطائه للواعظ الترمذي ناصر الدين

وكان هذا الفقيه الواعظ قدم على السلطان وأقام تحت إحسانه مدة عام، ثمَّ أحب الرجوع إلى وطنه فأذن له في ذلك، ولم يكن سمع كلامه ووعظه، فلمَّا خرج السلطان يقصد بلاد المعبر أحب سماعه قبل انصرافه، فأمر أن يهيئ له منبر من الصندل الأبيض المقاصري، وجعلت مساميره وصفائحه من الذهب، وألصق بأعلاه حجر ياقوت عظيم وخلع على ناصر الدين خلعة عباسية سوداء مذهبة مرصعة بالجوهر وعمامة مثلها، ونصب له المنبر بداخل السراجة وهي إفراج، وقعد السلطان على سريره والخواص عن يمينه ويساره، وأخذ القضاة والفقهاء والأمراء مجالسهم، فخطب خطبة بليغة ووعظ وذكر، ولم يكن فيما فعله طائل لكن سعادته ساعدته، فلمَّا نزل عن المنبر قام السلطان إليه وعانَقَه وأَرْكَبَهُ على فيل، وأَمَرَ جميع مَنْ حَضَرَ أن يمشوا بين يديه وكنت في جملتهم إلى سراجة ضُرِبَتْ له مقابِلة سراجة السلطان، جميعها من الحرير الملوَّن وصيوانها من الحرير، وخباؤها أيضًا كذلك، فجلس وجلسنا معه، وكان بجانب من السراجة أواني الذهب التي أعطاه السلطان إياها، وذلك تنور كبير؛ بحيث يَسَعُ في جوفه الرجل القاعد وقِدْران اثنان وصحاف لا أَذْكُر عددها، وجملة أكواز وركوة وتميسندة ومائدة لها أربعة أرجل ومحمل للكتب كل ذلك من ذهب خالص، ورَفَعَ عماد الدين السمناوي وَتَدَيْنِ من أوتاد السراجة؛ أحدهما نحاس والآخر مقصدر، يوهم بذلك أنهما من ذهب وفضة، ولم يكونا إلَّا كما ذكرنا، وقد كان أعطاه حين قدومه مائة ألف دينار دراهم ومئين من العبيد سرح بعضهم وحمل بعضهم.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.