من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر جلوس يوم العيد، وذكر السرير الأعظم والمبخرة العظمى
ويُفْرَش القصر يوم العيد ويُزَيَّن بأبدع الزينة، وتُضْرَب الباركة على المشور كله، وهي شبه خيمة عظيمة تقوم على أعمدة ضخام كثيرة وتحفُّها القباب من كل ناحية، ويُصْنَع شبه أشجار من حرير ملوَّن فيها شبه الأزهار، ويُجْعَل منها ثلاثة صفوف بالمشور، ويُجْعَل بين كل شجرتين كرسي ذهب عليه مرتبة مغطاة، ويُنْصَب السرير الأعظم في صدر المشور، وهو من الذهب الخالص كله مرصَّع القوائم بالجواهر، وطوله ثلاثة وعشرون شبرًا، وعرضه نحو النصف من ذلك، وهو منفصل وتُجْمَع قطعه فتتصل، وكل قطعة منها يحملها جملة رجال لثقل الذهب وتُجْعَل فوق المرتبة، ويُرْفَع الشطر المرصَّع بالجواهر على رأس السلطان، وعندما يصعد على السرير ينادي الحجاب والنقباء بأصوات عالية بسم الله، ثمَّ يتقدم الناس للسلام فأولهم القضاة والخطباء، والعلماء، والشرفاء، والمشايخ، وإخوة السلطان وأقاربه وأصهاره، ثمَّ الأعزة، ثمَّ الوزير، ثمَّ أمراء العساكر، ثمَّ شيوخ المماليك، ثمَّ كبار الأجناد يسلم واحد إثر واحد من غير تزاحم ولا تدافع.
ومن عوائدهم في يوم العيد أن كل من بيده قرية منعم بها عليه يأتي بدنانير ذهب مصرورة، في خرقة مكتوب عليها اسمه فيلقيها في طست ذهب هنالك، فيجتمع منها مال عظيم يعطيه السلطان لمن شاء، فإذا فرغ الناس من السلام وضع لهم الطعام على حسب مراتبهم.
وينصب في ذلك اليوم المبخرة العظمى وهي شبه برج من خالص الذهب منفصلة، فإذا أرادوا اتصالها وصلوها، وتحمل القطعة الواحدة منها جملة من الرجال، وفي داخلها ثلاثة بيوت يدخل فيها المبخرون يوقدون العود القماري والفاقلي، والعنبر الأشهب والجاوي؛ حتى يعم دخانها المشور كله ويكون بأيدي الفتيان براميل الذهب والفضة مملوءة بماء الورد، وماء الزهر يصبونه على الناس صبًّا، وهذا السرير وهذه المبخرة لا يخرجان إلَّا في العيدين خاصة.
ويجلس السلطان في بقية أيام العيد على سرير ذهب دون ذلك، وتُنْصَب باركة بعيدة لها ثلاثة أبواب يجلس السلطان في داخلها ويقف على الباب الأول منها عماد الملك سرتيز، وعلى الباب الثاني الملك نكبية، وعلى الباب الثالث يوسف بغرة، ويقف على اليمين أمراء المماليك السلحدارية، وعن اليسار كذلك، ويقف الناس على مراتبهم وشحنة الباركة ملك طغى بيده عصا ذهب، وبيد نائبه عصا فضة يرتبان الناس ويسويان الصفوف، ويقف الوزير والكتاب خلفه ويقف الحجاب والنقباء، ثمَّ يأتي أهل الطرب فأولهم بنات الملوك الكفار من الهنود المسبيات في تلك السنة فيغنين ويرقصن، ويهبهن السلطان للأمراء والأعزة، ثمَّ يأتي بعدهن سائر بنات الكفار فيغنين ويرقصن، ويهبهن لإخوانه وأقاربه وأصهاره وأبناء الملوك، ويكون جلوس السلطان لذلك بعد العصر، ثمَّ يجلس في اليوم الذي بعده بعد العصر أيضًا على ذلك الترتيب ويؤتى بالمغنيات فيغنين ويرقصن، ويهبهن لأمراء المماليك، وفي اليوم الثالث يزوج أقاربه وينعم عليهم، وفي اليوم الرابع يعتق العبيد، وفي اليوم الخامس يعتق الجواري، وفي اليوم السادس يزوج العبيد بالجواري، وفي اليوم السابع يعطي الصدقات ويكثر منها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع