من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر ترتيب جلوسه للناس
وأكثر جلوسه بعد العصر وربما جلس أول النهار، وجلوسه على مصطبة مفروشة بالبياض فوقها مرتبة، ويجعل خلف ظهره مخدة كبيرة، وعن يمينه متكأ، وعن يساره مثل ذلك، وقعوده كجلوس الإنسان للتشهد في الصلاة، وهو جلوس أهل الهند كلهم، فإذا جلس وقف أمامه الوزير، ووقف الكتاب خلف الوزير، وخلفهم الحجاب، وكبير الحجاب هو فيروز ملك ابن عم السلطان ونائبه، وهو أدنى الحجاب من السلطان، ثمَّ يتلوه خاص حاجب، ثمَّ يتلوه نائب خاص حاجب، ووكيل الدار ونائبه، وشرف الحجاب، وسيد الحجاب وجماعة تحت أيديهم، ثمَّ يتلوا الحجاب النقباء وهم نحو مائة، وعند جلوس السلطان ينادي الحجاب والنقباء بأعلى أصواتهم بسم الله ثمَّ يقف على رأس السلطان الملك الكبير قبوله، وبيده المذبة يشرد بها الذباب، ويقف مائة من السلحدارية عن يمين السلطان، ومثلهم عن يساره بأيديهم الدرق والسيوف والقِسِيُّ، ويقف في الميمنة والميسرة بطول المشور قاضي القضاة ويليه خطيب الخطباء، ثمَّ سائر القضاة، ثمَّ كبار الفقهاء، ثمَّ كبار الشرفاء المشايخ، ثمَّ أخوة السلطان وأصهاره، ثمَّ الأمراء الكبار، ثمَّ كبار الأعزة وهم الغرباء، ثمَّ القواد، ثمَّ يؤتى بستين فرسًا مسرجة ملجمة بجهازات سلطانية، فمنها ما هو بشعار الخلافة — وهي التي لجمها ودوائرها من الحرير الأسود المذهب — ومنها ما يكون ذلك من الحرير الأبيض المذهب، ولا يركب بذلك غير السلطان فيوقف النصف من هذه الخيل عن اليمين والنصف عن الشمال بحيث يراها السلطان.
ثمَّ يؤتى بخمسين فيلًا مزينة بثياب الحرير والذهب، مكسوة أنيابها بالحديد؛ إعدادًا لقتل أهل الجرائم، وعلى عنق كل فيل فياله وبيده شبه الطبرزين من الحديد يؤدبه به، ويقومه لما يراد منه، وعلى ظهر كل فيل شبه الصندوق العظيم يسع عشرين من المقاتلة، وأكثر من ذلك ودونه على حسب ضخامة الفيل وعظم جرمه، ويكون في أركان ذلك الصندوق أربعة أعلام مركوزة، وتلك الفيلة معلمة أن تخدم السلطان وتحط رءوسها، فإذا خدمت قال الحجاب بسم الله بأصوات عالية، ويوقف أيضًا نصفها عن اليمين ونصفها عن الشمال خلف الرجال الواقفين، وكل من يأتي من الناس المعينين للوقوف في الميمنة أو الميسرة، يخدم عند موقف الحجاب ويقول الحجاب بسم الله، ويكون ارتفاع أصواتهم بقدر ارتفاع صوت الذي يخدم، فإذا خدم انصرف إلى موقفه من الميمنة أو الميسرة لا يتعداه أبدًا، ومن كان من كفار الهنود يخدم ويقول له الحجاب والنقباء هداك الله، ويقف عبيد السلطان من وراء الناس كلهم بأيديهم الترسة والسيوف، فلا يمكن أحد الدخول بينهم إلَّا بين يدي الحجاب القائمين بين يدي السلطان.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع