من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر السلطان غياث الدين تغلق شاه
(وضبط اسمه بضم التاء المعلوة، وسكون الغين المعجم، وضم اللام وآخره قاف)، حدثني الشيخ الإمام الصالح العالم العامل العابد ركن الدين بن الشيخ الصالح شمس الدين أبي عبد الله ابن الولي الإمام العالم العابد بهاء الدين زكريا القرشي الملتاني بزاويته منها: أن السلطان تغلق كان من الأتراك المعروفين بالقرونة (بفتح القاف والراء، وسكون الواو، وفتح النون)، وهم قاطنون بالجبال التي بين بلاد السند والترك، وكان ضعيف الحال فقدم بلاد السند في خدمة بعض التجار، وكان كلوانياله والكلواني (بضم الكاف المعقودة) هو راعي الخيل (جلوبان)، وذلك على أيام السلطان علاء الدين وأمير السند إذ ذاك أخوه أولو خان (بضم الهمزة واللام)، فخدمه تغلق وتَعَلَّقَ بجانبه فرتبه في البياة (بكسر الباء الموحدة، وفتح الياء آخر الحروف) وهم الرجالة، ثمَّ ظهرت نجابته فأثبت في الفرسان ثم كان من الأمراء الصغار وجعله أولو خان أمير خيله، ثمَّ كان بعد من الأمراء الكبار وسمي بالملك الغازي، ورأيت مكتوبًا على مقصورة الجامع بملتان، وهو الذي أمر بعملها أني قاتلت التتر تسعًا وعشرين مرة، فهزمتهم فحينئذٍ سميت بالملك الغازي، ولما ولي قطب الدين ولاه مدينة دبال بور وعمالتها (وهي بكسر الدال المهمل، وفتح الباء الموحدة)، وجعل ولده الذي هو الآن سلطان الهند أمير خيله، وكان يسمى جونة (بفتح الجيم والنون)، ولما ملك تسمى بمحمد شاه.
ثمَّ لما قُتِلَ قطب الدين ووُلِّيَ خسرو خان أبقاه على إمارة الخيل، فلمَّا أراد تغلق الخلاف كان له ثلاثمائة من أصحابه الذين يعتمد عليهم في القتال، وكتب إلى كشلو خان — وهو يومئذٍ بملتان وبينهما وبين دبال بور ثلاثة أيام — يَطْلُب منه القيام بنصرته، ويُذَكِّره نعمة قطب الدين، ويُحَرِّضه على طَلَبِ ثأره، وكان ولد كشلو خان بدهلي فكتب إلى تغلق أنه لو كان ولدي عندي لأعنتك على ما تريد، فكتب تغلق إلى ولده محمد شاه يُعْلِمُه بما عزم عليه، ويأمره أن يفر إليه ويستصحب معه ولد كشلو خان، دار ولده الحيلة على خسرو خان وتمت له كما أراد، فقال له: إنَّ الخيل قد سمنت وتبدنت وهي تحتاج البراق وهو التضمير، فأذن له في تضميرها، فكان يركب كل يوم في أصحابه فيسير بها الساعة والساعتين والثلاث، واستمرَّ إلى أربع ساعات إلى أن غاب يومًا إلى وقت الزوال — وذلك وقعت طعامهم — فأمر السلطان بالركوب في طلبه فلم يوجد له خبر ولحق بأبيه واستصحب معه ولد كشلو خان، وحينئذٍ أَظْهَرَ تغلق الخلاف وجمع العساكر وخرج معه كشلو خان في أصحابه، وبعث السلطان أخيه خان خانان لقتالهما، فهزماه شر هزيمة، وفرَّ عسكره إليهما، ورجع خان خانان إلى أخيه وقتل أصحابه، وأخذت خزائنه وأمواله، وقصد تغلق حضرة دهلي وخرج إليه خسرو خان في عساكره ونزل بخارج دهلي بموضع يُعْرَف بأصيا أباد (آسيا باد)، ومعنى ذلك رحى الريح، وأمر بالخزائن ففُتِحَتْ وأعطى الأموال بالبدر، لا بوزن ولا عَدٍّ، ووَقَعَ اللقاء بينه وبين تغلق، وقاتلت الهنود أشد قتال وانهزمت عساكر تغلق ونهبت محلته، وانفرد في أصحابه الأقدمين الثلاثمائة فقال لهم: إلى أين الفرار حيثما أُدْرِكْنا قُتِلْنَا.
واشتغلت عساكر خسرو خان بالنهب وتفرقوا عنه، ولم يبقَ معه إلَّا قليل، فقصد تغلق وأصحابه موقفه والسلطان هنالك يُعْرَف بالشطر (جتر)، الذي يرفع فوق رأسه، وهو الذي يسمى بديار مصر القبة والطير ويرفع بها في الأعياد، وأمَّا بالهند والصين فلا يفارق السلطان في سفر ولا حضر، فلمَّا قصده تغلق وأصحابه حمى القتال بينهم وبين الهنود، وانهزم أصحاب السلطان ولم يَبْقَ معه أحد وهرب فنزل عن فرسه، ورمى بثيابه وسلاحه وبقي في قميص واحد، وأرسل شعره بين كتفيه كما يفعل فقراء الهند ودخل بستانًا هنالك، واجتمع الناس على تغلق وقصد المدينة، فأتاه الكتوال بالمفاتيح ودخل القصر ونزل بناحية منه، وقال لكشلو خان: أنت تكون السلطان، فقال كشلو خان: بل أنت تكون السلطان، وتَنَازَعَا، فقال له كشلو خان: فإن أَبَيْتَ أن تكون سلطانًا فيتولى ولدك، فكَرِهَ هذا وقَبِلَ حينئذ، وقعد على سرير الملك وبايَعَه الخاصُّ والعامُّ، ولما كان بعد ثلاث اشتدَّ الجوع بخسرو خان وهو مُخْتَفٍ بالبستان، فخرج وطاف به فوجد القيم فسأله طعامًا، فلم يكن عنده فأعطاه خاتمه وقال اذهب فارْهَنْه في طعام، فلما ذَهَبَ بالخاتم إلى السوق أَنْكَرَ الناس أَمْرَه ورفعوه إلى الشحنة — وهو الحاكم — فأدخله على السلطان تغلق فأعلمه بمن دفع إليه الخاتم، فبعث ولده محمدًا ليأتي به فقبض عليه وأتاه به راكبًا على تتو (بتاءين مثناتين أولاهما مفتوحة والثانية مضمومة) وهو البرذون، فلما مَثُلَ بين يديه قال له: إني جائع فآتني بالطعام، فأمر له بالشربة، ثمَّ بالطعام، ثمَّ بالقفاع، ثمَّ بالتنبول، فلما أكل قام قائمًا وقال: يا تغلق افعل معي فعل الملوك ولا تفضحني، فقال له: لك ذلك، وأَمَرَ به فضُرِبَتْ رقبته، وذلك في الموضع الذي قَتَلَ هو به قطب الدين ورمى برأسه وجسده من أعلى السطح، كما فَعَلَ هو برأس قطب الدين، وبعد ذلك أَمَرَ بغسله وتكفينه ودُفِنَ في مقبرته، واستقام الملك لتغلق أربعة أعوام وكان عادلًا فاضلًا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع