من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر السلطان جلال الدين
ولما اعترى السلطان معز الدين ما ذكرناه مِنْ يَبَسِ أحد شقيه، خالف عليه نائبه جلال الدين وخرج إلى ظاهر المدينة، فوقف على تلٍّ هنالك بجانب قبة تُعْرَف بقبة الجيشاني، فبعث معز الدين الأمراء لقتاله، فكان كل من يبعثه منهم يُبَايِع جلال الدين ويَدْخُل في جملته، ثمَّ دخل المدينة وحصره في القصر ثلاثة أيام، وحدثني مَنْ شَاهَدَ ذلك أن السلطان مُعِزَّ الدين أصابه الجوعُ في تلك الأيام، فلم يَجِدْ ما يأكله فبعث إليه أحد الشرفاء من جيرانه ما أقام أَوَدَهُ ودخل عليه القصر فقُتِلَ، وولي بعده جلال الدين وكان حليمًا فاضلًا، وحلمه أداه إلى القتل كما سنذكره، واستقام له الملك سنين وبنى القصر المعروف باسمه، وهو الذي أعطاه السلطان محمد لصهره الأمير غدا ابن مهنى لما زوجه بأخته وسيُذْكَر ذلك، فكان للسلطان جلال الدين ولد اسمه ركن الدين، وابن أخ اسمه علاء الدين زوجه بابنته وولَّاه مدينة كرا ومانكبور ونواحيها، وهي من أخصب بلاد الهند كثيرة القمح والأرز والسكر، وتُصْنَع بها الثياب الرفيعة ومنها تُجْلَب إلى دهلي، وبينهما مسيرة ثمانية عشر يومًا.
وكانت زوجة علاء الدين تؤذيه فلا يزال يشكوها إلى عمه السلطان جلال الدين حتى وقعت الوحشة بينهما بسببها، وكان علاء الدين شهمًا شجاعًا مظفرًا منصورًا وحب الملك ثابت في نفسه، إلَّا أنه لم يكن له مال إلَّا ما يستفيده بسيفه من غنائم الكفار، فاتفق أنه ذهب مرة إلى الغزو ببلاد الدويقير، وتُسَمَّى بلاد الكتكة أيضًا وسنذكرها، وهي كرسي بلاد المالوة والمرهتة، وكان سلطانها أكبر سلاطين الكفار فعثرت بعلاء الدين في تلك الغزوة دابة له عند حجر، فسمع له طنينًا فأمر بالحفر هنالك فوجد تحته كنزًا عظيمًا، ففرقه في أصحابه ووصل إلى الدويقير فأذعن له سلطانها بالطاعة، ومكنه من المدينة من غير حرب، وأهدى له هدايا عظيمة فرجع إلى مدينة كرا ولم يبعث إلى عمه شيًّا من الغنائم، فأغرى الناس عمه به فبعث إليه فامتنع من الوصول إليه، فقال السلطان جلال الدين أنا أذهب إليه وآتى به فإنه محل ولدي، فتجهز في عساكره وطوى المراحل حتى حل بساحل مدينة كرا، حيث نزل السلطان معز الدين لما خرج إلى لقاء أبيه ناصر الدين وركب النهر برسم الوصول إلى ابن أخيه، وركب ابن أخيه أيضًا في مركب ثانٍ عازمًا على الفتك به، وقال لأصحابه: إذا أنا عانَقْتُه فاقتلوه، فلما الْتَقَيَا وسط النهر عانَقَهُ ابن أخيه وقتله أصحابه كما وعدهم، واحتوى على مُلْكِه وعساكره.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع