تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر فتح دهلي ومَنْ تَدَاوَلَهَا من الملوك

حدثني الفقيه الإمام العلَّامة — قاضي القضاة بالهند والسند — كمال الدين محمد بن البرهان الغزنوي الملقب بصدر الجهان، أن مدينة دهلي افْتُتِحَتْ من أيدي الكفافي سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وقد قرأت أنا ذلك مكتوبًا على محراب الجامع الأعظم بها، وأخبرني أيضًا أنها افْتُتِحَتْ على يد الأمير قطب الدين أيبك (واسمه بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الباء الموحدة)، وكان يُلَقَّب سياه (سالار)، ومعناه مقدم الجيوش، وهو أحد مماليك السلطان المعظم شهاب الدين محمد بن سنام الغوري ملك غزنة وخراسان، المتغلب على ملك إبراهيم ابن السلطان الغازي محمود بن سبكتكين، الذي ابتدأ فتح الهند، وكان السلطان شهاب الدين المذكور، بعث الأمير قطب الدين بعسكر عظيم، ففتح الله عليه مدينة لاهور وسكنها وعَظُمَ شأنه، وسُعِيَ به إلى السلطان وألقى إليه جلساؤه أنه يريد الانفراد بملك الهند، وأنه قد عصى وخالَفَ، وبَلَغَ هذا الخبر إلى قطب الدين، فبَادَرَ بنفسه وقَدِمَ على غزنة ليلًا ودَخَلَ على السلطان، ولا عِلْمَ عند الذين وشوا به إليه، فلما كان بالغد قَعَدَ السلطان على سريره وأَقْعَدَ أيبك تحت السرير بحيث لا يظهر، وجاء الندماء والخواص الذين سعوا به، فلما استقرَّ بهم الجلوس سألهم السلطان عن شأن أيبك، فذَكَرُوا له أنه عصى وخالَفَ، وقالوا: قد صحَّ عندنا أنه ادعى المُلْكَ لنفسه، فضَرَبَ السلطان سريره برجله فصَفَّقَ بيديه، وقال: يا أيبك، قال: لبيك، وخرج عليهم فسُقِطَ في أيديهم وفزعوا إلى تقبيل الأرض، فقال لهم السلطان: قد غفرت لكم هذه الزلة، وإياكم والعودة إلى الكلام في أيبك، وأَمَرَهُ أن يعود إلى بلاد الهند فعاد إليها وفتح مدينة دهلي وسواها، واستقرَّ بها الإسلام إلى هذا العهد، وأقام قطب الدين بها إلى أن تُوُفِّي.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.