من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر جامع دهلي
وجامع دهلي كبير الساحة؛ حيطانه وسقفه وفرشه، كل ذلك من الحجارة البيض المنحوتة أبدع نحت، ملصقة بالرصاص أَتْقَنَ إلصاق، ولا خشبه به أصلًا، وفيه ثلاث عشرة قبَّة من حجارة، ومنبره أيضًا من الحجر وله أربعة من الصحون، وفي وسط الجامعِ العمودُ الهائل الذي لا يَدْرِي مِنْ أي المعادن هو، ذَكَرَ لي بعض حكمائهم أنه يسمَّى هفت جوش (بفتح الهاء وسكون الفاء، وتاء معلوة، وجيم مضموم وآخره شين معجم)، ومعنى ذلك سبعة معادن، وأنه مؤلف منها وقد جلى من هذا العمود مقدار السبابة، ولذلك المجلو منه بريق عظيم ولا يؤثر فيه الحديد، وطوله ثلاثون ذراعًا وأدرنا به عمامة، فكان الذي أحاط بدائرته منها ثمانية أذرع، وعند الباب الشرقي من أبواب المسجد صنمان كبيران جدًّا من النحاس، مطروحان بالأرض قد أُلْصِقَا بالحجارة ويطأ عليهما كلُّ داخلٍ إلى المسجد أو خارجٍ منه، وكان موضع هذا المسجد بدخانة وهو بيت الأصنام، فلما افْتُتِحَتْ جُعِلَ مسجدًا، وفي الصحن الشمالي من المسجد الصومعة التي لا نظير لها في بلاد الإسلام، وهي مبنيَّة بالحجارة الحمر خلافًا لحجارة سائر المسجد فإنها بيض، وحجارة الصومعة منقوشة، وهي سامية الارتفاع، وفحلها من الرخام الأبيض الناصع، وتفافيحها من الذهب الخالص، وسعة ممرها بحيث تصعد فيه الفيلة.
حدثني من أَثِقُ به أنه رأى الفيل حين بنيت يصعد بالحجارة إلى أعلاها، وهي من بناء السلطان معز الدين بن ناصر الدين ابن السلطان غياث الدين بلبن، وأراد السلطان قطب الدين أن يبني بالصحن الغربي صومعة أعظم منها، فبنى مقدار الثلث منها واخترم دون تمامها، وأراد السلطان محمد إتمامها ثمَّ ترك ذلك تشاؤمًا، وهذه الصومعة من عجائب الدنيا في ضخامتها وسعة ممرها، بحيث تصعده ثلاثة من الفيلة متقارنة، وهذا الثلث مبني منها مساوٍ؛ لارتفاع جميع الصومعة التي ذكرنا أنها بالصحن الشمالي، وصعدتها مرة فرأيت معظم دور المدينة وعاينت الأسوار على ارتفاعها وسموها منحطة، وظهر لي الناس في أسفلها كأنهم الصبيان الصغار، ويظهر لناظرها من أسفلها أن ارتفاعها ليس بذلك؛ لعظم جِرْمها وَسَعَتِها، وكان السلطان قطب الدين أراد أن يبني أيضًا مسجدًا جامعًا بسيري المسماة دار الخلافة، فلم يَتِمَّ منه غير الحائط القبلي والمحراب، وبناؤه بالحجارة البيض والسود والحمر والخضر، ولو كمل لم يكن له مثل في البلاد، وأراد السلطان محمد إتمامه وبعث عرفاء البناء ليقدروا النفقة فيه، فزعموا أنه ينفق في إتمامه خمسة وثلاثون لكًا فترك ذلك استكثارًا له، وأخبرني بعض خواصه أنه لم يتركه استكثارًا لكنه تشاءم به لما كان السلطان قطب الدين قد قتل قبل تمامه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع