من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر غزوة لنا بهذا الطريق، وهي أول غزوة شَهِدْتُها ببلاد الهند
ولما أَرَدْنَا السفر من مدينة أبوهر خرج الناس منها أول النهار، وأقمت بها إلى نصف النهار في لمة من أصحابي، ثمَّ خرجنا ونحن اثنان وعشرون فارسًا، منهم عرب ومنهم أعاجم، فخرج علينا في تلك الصحراء ثمانون رجلًا من الكفار وفارسان، وكان أصحابي ذوي نجدة وعتي، فقاتلناهم أشد القتال، فقَتَلْنا أحد الفارسين منهم وغَنِمْنا فرسه، وقَتَلْنا من رجالهم نحو اثني عشر رجلًا، وأصابتني نشابة وأصابت فرسي نشابة ثانية، ومَنَّ الله بالسلامة منها؛ لأن نشابهم لا قوة لها، وجرح لأحد أصحابنا فرس عوضناه له بفرس الكافر، وذَبَحْنَا فرسه المجروح فأكله الترك من أصحابنا، وأوصلنا تلك الرءوس إلى حصن أبي بكهر فعلقناها على سُورِهِ، وكان وصولنا في نصف الليل إلى حصن أبي بكهر المذكور (وضبط اسمه بفتح الباء الموحدة، وسكون الكاف، وفتح الهاء وآخره راء)، وسافرنا منه فوصلنا بعد يومين إلى مدينة أجودهن (وضبط اسمها بفتح الهمزة، وضم الجيم، وفتح الدال المهمل والهاء وآخره نون)، مدينة صغيرة هي للشيخ الصالح فريد الدين البذاواني، الذي أخبرني الشيخ الصالح الولي برهان الدين الأعرج بالإسكندرية أني سألقاه فلقيته والحمد لله، وهو شيخ ملك الهند وأنعم عليه بهذه المدينة، وهذا الشيخ مبتلًى بالوسواس والعياذ بالله، فلا يصافح أحدًا ولا يدنو منه، وإذا أُلْصِقَ ثوبه بثوب أحد غَسَلَ ثوبه، دخلت زاويته ولقيته وأبلغته سلام الشيخ برهان الدين فعجب، وقال: أنا دون ذلك، ولقيت ولديه الفاضلين مُعِزَّ الدين وهو أكبرهما، ولما مات أبوه تولَّى الشياخة بعده، وعَلَمَ الدين، وزُرْتُ قبر جده القطب الصالح فريد الدين البذاواني منسوبة إلى مدينة بذاون بلد السنبل (وهي بفتح الباء الموحدة، والذال المعجم، وضم الواو وآخرها نون)، ولما أردت الانصراف عن هذه المدينة قال لي علم الدين: لا بُدَّ لك من رؤية والدي فرأيته وهو في أعلى سطح له، وعليه ثياب بيض وعمامة كبيرة لها ذؤابة، وهي مائلة إلى جانب ودعا لي وبعث إليَّ بسكر ونبات.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع