تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الكركدن: حكاية

كان يسكن بهذه المدينة الأمير ونار السامري — الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه — والأمير قيصر الرومي، وهما في خدمة السلطان ومعهما نحو ألف وثمانمائة فارس، وكان يسكن بها كافر من الهنود اسمه رتن (بفتح الراء وبفتح التاء المعلوة والنون)، وهو من الحذاق بالحساب والكتابة، فوفد على ملك الهند مع بعض الأمراء، فاستحسنه السلطان وسمَّاه عظيم السند، وولَّاه بتلك البلاد وأقطعه سيوستان وأعمالها، وأعطاه المراتب وهي الأطبال والعلامات — كما يعطى كبار الأمراء — فلمَّا وصل إلى تلك البلاد عظم على ونار وقيصر وغيرهم تقديم الكافر عليهم، فأجمعوا على قتله، فلمَّا كان بعد أيام من قدومه أشاروا عليه بالخروج إلى أحواز المدينة ليتطلع على أمورها فخرج معهم، فلمَّا جن الليل أقاموا ضجَّة بالمحلة وزعموا أن السبع ضرب عليها، وقصدوا مضرب الكافر فقتلوه وعادوا إلى المدينة، فأخذوا ما كان بها من مال السلطان وذلك اثنا عشر لكًّا، واللك مائة ألف دينار، وصرف اللك عشرة آلاف دينار من ذهب الهند، وصرف الدينار الهندي ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب.

وقدموه على أنفسهم ونار المذكور وسموه ملك فيروز، وقسَّم الأموال على العسكر ثمَّ خاف على نفسه لبعده عن قبيلته، فخرج فيمن معه من أقاربه وقصد قبيلته، وقدم الباقون من العسكر على أنفسهم قيصر الرومي، واتصل خبرهم بعماد الملك سرتيز مملوك السلطان، وهو يومئذٍ أمير أمراء السند وسكناه بملتان، فجمع العساكر وتجهز في البر وفي نهر السند، وبين ملتان وسيوستان عشرة أيام، وخرج إليه قيصر فوقع اللقاء وانهزم قيصر ومن معه أشنع هزيمة، وتحصنوا بالمدينة فحصرهم ونصب المجانيق عليهم، واشتدَّ عليهم الحصار فطلبوا الأمان بعد أربعين يومًا من نزوله عليهم، فأعطاهم الأمان، فلمَّا نزلوا إليه غَدَرَهُم وأَخَذَ أموالهم وأَمَرَ بقتلهم، فكان كل يوم يضرب أعناق بعضهم، ويوسط بعضهم، ويسلخ آخرين منهم، ويملأ جلودهم تبنًا ويعلقها على السور، فكان معظمه عليه تلك الجلود مصلوبة تُرْعِب من ينظر إليها، وجمع رءوسهم في وسط المدينة فكانت مثل التل هنالك، ونزلت بتلك المدينة إثر هذه الوقيعة بمدرسة فيها كبيرة، وكنت أنام على سطحها فإذا استيقظت من الليل أرى تلك الجلود المصلوبة فتشمئز النفس منها، ولم تَطِبْ نفسي بالسكنى بالمدرسة فانتقلت عنها، وكان الفقيه الفاضل العادل علاء الملك الخراساني — المعروف بفصيح الدين قاضي هراة في متقدم التاريخ — قد وفد على ملك الهند فولَّاه مدينة لاهري وأعمالها من بلاد السند، وحضر هذه الحركة مع عماد الملك سرتيز بمن معه من العساكر، فعزمت على السفر معه إلى مدينة لاهري، وكان له خمسة عشر مركبًا قدم بها في نهر السند تحمل أثقاله فسافرت.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.