من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر من اجتمعْتُ به في هذه المدينة من الغرباء الوافدين على حضرة ملك الهند
فمنهم خداوند زاده قوام الدين قاضي ترمذ، قَدِمَ بأهله وولده، ثمَّ وَرَدَ عليه بها إخوته عماد الدين وضياء الدين وبرهان الدين، ومنهم مبارك شاه أحد كبار سمرقند، ومنهم أرن بغا أحد كبار بخارى، ومنهم ملك زاده ابن أخت خداوند زاده، ومنهم بدر الدين الفصال، وكل واحد من هؤلاء معه أصحابه وخُدَّامُه وأتباعه، ولما مضى من وصولنا إلى ملتان شهران وَصَلَ أحد حُجَّاب السلطان، وهو شمس الدين البوشنجي والملك محمد الهروي الكتوال، بَعَثَهُما السلطان لاستقبال خداوند زاده، وقَدِمَ معهم ثلاثة من الفتيان بَعَثَتْهم المخدومة جهان — وهي أم السلطان — لاستقبال زوجة خداوند زاده المذكور، وأتوا بالخلع لهما ولأولادهما، ولتجهيز من قدم من الوفود، وأتوا جميعًا إليَّ وسألوني: لماذا قدمت؟ فأخبرْتُهم أني قَدِمْتُ للإقامة في خدمة خوند عالم — وهو السلطان — وبهذا يُدْعَى في بلاده، وكان أَمَرَ ألَّا يُتْرَكَ أحد ممن يأتي من خراسان يدخل بلاد الهند، إلَّا إن كال برسم الإقامة، فلما أَعْلَمْتُهُمْ أني قدمت للإقامة استدعوا القاضي والعدول، وكتبوا عقدًا عليَّ وعلى من أراد الإقامة من أصحابي، وأبى بعضهم من ذلك.
وتَجَهَّزْنَا للسفر إلى الحضرة، وبين ملتان وبينها مسيرة أربعين يومًا في عمارة متصلة، وأخرج الحاجب وصاحبه الذي بُعِثَ معه ما يحتاج إليه في ضيافة قوام الدين، واستصحبوا من ملتان نحو عشرين طبَّاخًا، وكان الحاجب يتقدم ليلًا إلى كلِّ منزل فيجهز الطعام وسواه، فما يصل خداوند زاده حتى يكون الطعام مُتَيَسِّرًا، وينزل كل واحد ممن ذَكَرْنَاهم من الوفود على حدة بمضاربه وأصحابه، وربما حضروا الطعام الذي يُصْنَع لخداوند زاده، ولم أَحْضُرْه أنا إلَّا مرة واحدة، وترتيب ذلك الطعام أنهم يجعلون الخبز — وخبزهم الرقاق وهو شِبْه الجراديق — ويقطعون اللحم المشوي قطعًا كبارًا بحيث تكون الشاة أربع قطع أو ستًّا، ويَجْعَلُون أمام كُلِّ رَجُلٍ قِطْعَةً، ويجعلون أقراصًا مصنوعة بالسمن تُشْبِه الخبز المُشَرَّك ببلادنا، ويجعلون في وسطها الحلواء الصابونية، ويُغَطُّون كل قرص منها برغيف حلواء يسمونه الخشتي، ومعناه الأجري مصنوع من الدقيق والسكر والسمن، ثمَّ يجعلون اللحم المطبوخ بالسمن والبصل والزنجبيل الأخضر في صحاف صينية.
ثمَّ يجعلون شيًّا يسمونه سموسك، وهو لحم مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير، موضوع في جوف رقاقة مقلوة بالسمن، يضعون أمام كل إنسان خمس قِطَع من ذلك أو أربعًا، ثمَّ يجعلون الأرز المطبوخ بالسمن وعليه الدجاج، ثمَّ يجعلون لقيمات القاضي ويسمونها الهاشمي، ثمَّ يجعلون القاهرية، ويقف الحاجب على السماط قبل الأكل ويخدم إلى الجهة التي فيها السلطان، ويخدم جميع من حضر لخدمته، والخدمة عندهم حط الرأس نحو الركوع، فإذا فعلوا ذلك جلسوا للأكل، ويؤتى بأقداح الذهب والفضة والزجاج مملوءة بماء النبات، وهو الجلاب محلولًا في الماء، ويسمون ذلك الشربة ويشربونه قبل الطعام، ثمَّ يقول الحاجب: بسم الله، فعند ذلك يَشْرَعُون في الأكل، فإذا أكلوا أتوا بأكواز الفقاع، فإذا شربوه أتوا بالتنبول والفوفل — وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُهما — فإذا أخذوا التنبول والفوفل قال الحاجب بسم الله، فيقومون ويخدمون مثل خدمتهم أوَّلًا وينصرفون، وسافرنا من مدينة ملتان وهم يجرون هذا الترتيب على حسب ما سطرناه إلى أنْ وصلنا إلى بلاد الهند، وكان أول بلد دخلناه مدينة أبوهر (بفتح الهاء)، وهي أول تلك البلاد الهندية، صغيرة حسنة كثيرة العمارة، ذات أنهار وأشجار، وليس هنالك من أشجار بلادنا شيء ما عدا النبق، لكنه عندهم عظيم الجرم تكون الحبة منه بمقدار حبة العفص شديد الحلاوة، ولهم أشجار كثيرة ليس يُوجَد منها شيء ببلادنا ولا بسواها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع