تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

مكرمة لهذا الملك

ونشأتْ بيني وبين هذا الملك الشريف جلال الدين مودة، وتأكدَّتْ بيننا الصحبة والمحبة واجتمعنا بحضرة دهلي، فلما سافر السلطان إلى دولة أباد — كما سنذكره — وأمرني بالإقامة بالحضرة قال لي: جلال الدين إنك تحتاج إلى نفقة كبيرة والسلطان تطول غيبته، فخذ قربتي واستغلها حتى أعود، ففعلت ذلك واستغليت منها نحو خمسة آلاف دينار جزاه الله أحسن جزائه، ولقيت بمدينة أوجه الشيخ العابد الزاهد الشريف قطب الدين حيدر العلوي وألبسني الخرقة، وهو من كبار الصالحين، ولم يَزَل الثوب الذي ألبسنيه معي إلى أن سلبني كفار الهنود في البحر، ثم سافرت من أوجه إلى مدينة ملتان (وضبط اسمها بضم الميم وتاء معلوة)، وهي قاعدة بلاد السند ومسكن أمير أمرائه، وفي الطريق إليها على مسافة عشرة أميال منها الوادي المعروف بخسرو آباد، وهو من الأودية الكبار لا يجاز إلَّا في المركب، وبه يُبْحَث عن أمتعة المجتازين أشد البحث وتُفَتَّش رحالهم، وكانت عادتهم في حين وصولنا إليها أن يأخذوا الربع من كل ما يَجْلِبه التجار، ويأخذوا على كل فَرَس سبعة دنانير مغرمًا، ثم بعد وصولنا للهند بسنتين رَفَعَ السلطان تلك المغارم، وأَمَرَ ألَّا يؤخذ من الناس إلَّا الزكاة والعشر لما بايع للخليفة أبي العباس العباسي، ولما أخذنا في إجازة هذا الوادي وفُتِّشَت الرحال عَظُمَ عَلَيَّ تفتيش رحلي؛ لأنه لم يكن فيه طائل، وكان يظهر في أعين الناس كبيرًا، فكنت أَكْرَهُ أن يُطَّلَعَ عليه، ومن لُطْف الله تعالى أن وَصَلَ أحد كبار الأجناد من جهة قطب الملك صاحب ملتان، فأمر ألَّا يُعْرَض لي ببحث ولا تفتيش فكان كذلك، فحمدت الله على ما هيأه لي من لطائفه، وبتنا تلك الليلة على شاطئ الوادي، وقَدِمَ علينا في صبيحتها ملك البريد، واسمه دهقان وهو سمرقندي الأصل، وهو الذي يَكْتُب للسلطان بأخبار تلك المدينة وعمالتها، وما يحدث بها ومن يصل إليها، فتَعَرَّفْتُ به ودَخَلْتُ في صحبته إلى أمير ملتان.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.