تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر السفر في نهر السند وترتيب ذلك

وكان للفقيه علاء الملك في جملة مراكبه مركب يُعْرَف بالأهورة (بفتح الهمزة والهاء، وسكون الواو، وفتح الراء)، وهي نوع من الطريدة عندنا، إلَّا أنها أوسع منها وأقصر، وعلى نصفها معرش من خشب يصعد له على درج، وفوقه مجلس مهيأ لجلوس الأمير، ويجلس أصحابه بين يديه، ويقف المماليك يمنة ويسرة والرجال يقذفون — وهم نحو أربعين — ويكون مع هذه الأهورة أربعة من المراكب عن يمينها ويسارها اثنان منها فيهما مراتب الأمير، وهي العلامات والطبول والأبواق والأنفار والصرنايات، وهي الغيطات، والآخران فيهما أهل الطرب فتضرب الطبول والأبواق نوبة ويُغَنِّي المُغَنُّون نوبة، ولا يزالون كذلك من أول النهار إلى وقت الغداء، فإذا كان وقت الغداء انضمت المراكب ووصل بعضها ببعض، ووضعت بينهما الإصقالات وأتى أهل الطرب إلى أهورة الأمير، فيغنون إلى أن يفرغ من أكله ثمَّ يأكلون، وإذا انقضى الأكل عادوا إلى مركبهم وشرعوا — أيضًا — في المسير على ترتيبهم إلى الليل، فإذا كان الليل ضربت المحلة على شاطئ النهر ونزل الأمير إلى مضاربه ومدَّ السماط، وحضر الطعام معظم العسكر، فإذا صلوا العشاء الأخيرة سمر السمار بالليل نوبًا، فإذا أتمَّ أهل النوبة منهم نوبتهم نادى مناد منهم بصوت عال، يا خوند ملك قد مضى من الليل كذا من الساعات، ثمَّ يسمر أهل النوبة الأخرى، فإذا أتموها نادى مناديهم أيضًا، معلمًا بما مرَّ من الساعات، فإذا كان الصبح ضربت الأبواق والطبول وصليت صلاة الصبح وأتى بالطعام، فإذا فرغ الأكل أخذوا في المسير، فإن أراد الأمير ركوب النهر ركب على ما ذكرناه من الترتيب، وإن أراد المسير في البر ضُرِبَت الأطبال والأبواق، وتَقَدَّم حُجَّابه ثمَّ تلاهم المَشَّاءون بين يديه، ويكون بين أيدي الحجاب ستة من الفرسان عند ثلاثة منهم أطبال قد تقلدوها، وعند ثلاثة صرنايات فإذا أقبلوا على قرية، أو ما هو من الأرض مرتفع، ضربوا تلك الأطبال والصرنايات، ثمَّ تُضْرَب أطبال العسكر وأبواقه ويكون عن يمين الحجاب ويسارهم المغنون يغنون نوبًا، فإذا كان وقت الغداء نزلوا وسافرت مع علاء الملك خمسة أيام.

ووصلنا إلى موضع ولايته وهو مدينة لاهري (وضبط اسمها بفتح الهاء وكسر الراء)، مدينة حسنة على ساحل البحر الكبير، وبها يصب نهر السند في البحر فيلتقي بها بحران، ولها مرسى عظيم يأتي إليه أهل اليمن وأهل فارس وغيرهم، وبذلك عظمت جباياتها وكثرت أموالها، أخبرني الأمير علاء — الملك المذكور — أن مجبى هذه المدينة ستون لكافي السنة وقد ذكرنا مقدار اللك، وللأمير من ذلك ثم (نيم) ده يك، ومعناه نصف العشر، وعلى ذلك يعطي السلطان البلاد لعماله يأخذون منها لأنفسهم نصف العشر.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.