تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الكركدن

ولما أجزنا نهر السند المعروف ببنج آب دخلنا غيضة قصب؛ لسلوك الطريق لأنه في وسطها فخرج علينا الكركدن، وصورته أنه حيوان أسود اللون، عظيم الجرم، رأسه كبير متفاوت الضخامة؛ ولذلك يضرب به المثل فيقال الكركدن رأس بلا بدن، وهو دون الفيل ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف، وله قرن واحد بين عينيه، طوله نحو ثلاثة أذرع وعرضه نحو شبر، ولما خرج علينا عارضه بعض الفرسان في طريقه، فضرب الفرس الذي كان تحته بقرنه فأنفذ فخذه وصرعه، وعاد إلى الغيضة فلم نَقْدِر عليه، وقد رأيت الكركدن مرة ثانية في هذا الطريق بعد صلاة العصر وهو يرعى نبات الأرض، فلمَّا قصدناه هرب منَّا، ورأيته مرة أخرى ونحن مع ملك الهند؛ دخلنا غيضة قصب وركب السلطان على الفيل وركبنا معه الفيلة، ودخلت الرجالة والفرسان فأثاروه وقتلوه واستاقوا رأسه إلى المحلة، وسرنا من نهر السند يومين ووصلنا إلى مدينة جناني (وضبط اسمها بفتح الجيم والنون الأولى وكسر الثانية)، مدينة كبيرة حسنة على ساحل نهر السند، لها أسواق مليحة وسكانها طائفة يقال لهم السامرة، استوطنوها قديمًا واستقرَّ بها أسلافهم حين فتحها على أيام الحجاج بن يوسف حسبما أثبت المؤرخون في فتح السند.

وأخبرني الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد ركن الدين ابن الشيخ الفقيه الصالح شمس الدين ابن الشيخ الإمام العابد الزاهد بهاء الدين زكريا القرشي — وهو أحد الثلاثة الذين أخبرني الشيخ الولي الصالح برهان الدين الأعرج بمدينة الإسكندرية أني سألقاهم في رحلتي فلقيتهم والحمد لله — أن جده الأعلى كان يسمَّى بمحمد بن قاسم القرشي، وشهد فتح السند في العسكر الذي بعثه لذلك الحجاج بن يوسف أيام إمارته على العراق وأقام بها وتكاثرت ذريته، وهؤلاء الطائفة المعروفون بالسامرة لا يأكلون مع أحد، ولا ينظر إليهم أحد حين يأكلون، ولا يصاهرون أحدًا من غيرهم، ولا يصاهر إليهم أحد، وكان لهم في هذا العهد أمير يسمَّى وُنَار (بضم الواو وفتح النون) وسنذكر خبره، ثم سافرنا من مدينة جناني إلى أن وصلنا إلى مدينة سيوستان (وضبط اسمها بكسر السين الأول المهمل، وياء مد، وواو مفتوح، وسين مكسور، وتاء معلوة وآخرها نون)، وهي مدينة كبيرة وخارجها صحراء ورمال، لا شجر بها إلَّا شجر أم عيلان، ولا يُزْرَع على نهرها شيء ما عدا البطيخ، وطعامهم الذرة والجلبان، ويسمونه المشنك (بميم وشين معجم مضمومين ونون مسكن)، ومنه يصنعون الخبز، وهي كثيرة السمك والألبان الجاموسية، وأهلها يأكلون السقنقور، وهي دويبة شبيهة بأم حبين التي يسميها المغاربة حنيشة الجنة، إلَّا أنها لا ذنب لها، ورأيتهم يحتفرون الرمل ويستخرجونها منه ويشقون بطنها ويرمون بما فيه ويحشونه بالكركم، وهم يسمونه زردشوبه، ومعناه العود الأصفر، وهو عندهم عِوَض الزعفران، ولما رأيت تلك الدويبة وهم يأكلونها استقذرتها فلم آكلها، ودخلنا هذه المدينة في احتدام القيظ وحرها شديد، فكان أصحابي يقعدون عريانين، يجعل أحدهم فوطة على وسطه وفوطة على كتفيه مبلولة بالماء، فيما يمضي اليسير من الزمان حتى تيبس تلك الفوطة فيبلها مرة أخرى وهكذا أبدًا، ولقيت بهذه المدينة خطيبها المعروف بالشيباني وأراني كتاب أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز — رضي الله عنه — لجده الأعلى بخطابة هذه المدينة وهم يتوارثونها من ذلك العهد إلى الآن.

هذا ما أمر به عبد الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لفلان، وتاريخه سنة تسع وتسعين، وعليه مكتوب بخط أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الحمد لله وحده على ما أخبرني الخطيب المذكور، ولقيت بها أيضًا الشيخ المعمر محمد البغدادي وهو بالزاوية التي على قبر الشيخ الصالح عثمان المرندي، وذكر أن عمره يزيد على مائة وأربعين وسنة، وأنه حضر لقتل المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس — رضي الله عنهم — لما قتله الكافر هلاون بن تنكيز التتري، وهذا الشيخ على كِبَر سِنِّه قَوِيُّ الجُثَّة يتصرف على قدميه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.