تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر البريد

والبريد ببلاد الهند صنفان، فإمَّا بريد الخيل فيسمونه الولاق «أولاق» (بضم الواو وآخره قاف)، وهو خيل تكون للسلطان في كل مسافة أربعة أميال، وأمَّا بريد الرجالة فيكون في مسافة الميل الواحد منه ثلاث رتب، ويسمونها الداوة (بالدال المهمل والواو)، والداوة هي ثلث ميل، والميل عندهم يسمَّى الكروة (بضم الكاف والراء)، وترتيب ذلك أن يكون في كل ثلث ميل قرية معمورة، ويكون بخارجها ثلاث قباب يقعد فيها الرجال مستعدين للحركة قد شدوا أوساطهم، وعند كل واحد منهم مقرعة مقدار ذراعين بأعلاها جلاجل نحاس، فإذا خرج البريد من المدينة أخذ الكتاب بأعلى يده، والمقرعة ذات الجلاجل باليد الأخرى، وخرج يشتد بمنتهى جهده فإذا سمع الرجال الذين بالقباب صوت الجلاجل تأهبوا له، فإذا وصلهم أخذ أحدهم الكتاب من يده ومرَّ بأقصى جهده وهو يحرك المقرعة حتى يصل إلى الداوة الأخرى، ولا يزالون كذلك حتى يصل الكتاب إلى حيث يراد منه، وهذا البريد أسرع من بريد الخيل، وربما حملوا على هذا البريد الفواكه المستطرفة بالهند من فواكه خراسان، يجعلونها في الأطباق ويشتدون بها حتى تصل إلى السلطان، وكذلك يحملون أيضًا الكبار من ذوي الجنايات، يجعلون الرجل منهم على سرير ويرفعونه فوق رءوسهم ويسيرون به شدًّا، وكذلك يحملون الماء لشرب السلطان إذا كان بدولة أباد يحملونه من نهر الكنك، الذي تحج الهنود إليه وهو على مسيرة أربعين يومًا منها، وإذا كتب المخبرون إلى السلطان بخبر من يصل إلى بلاده استوعبوا الكتاب وأمعنوا في ذلك، وعرفوه أنه ورد رجل صورته كذا ولباسه كذا، وكتبوا عدد أصحابه وغلمانه وخُدَّامه ودوابه، وترتيب حاله في حركته وسكونه وجميع تصرفاته، لا يغادرون من ذلك كله شيًّا، فإذا وصل الوارد إلى مدينة ملتان — وهي قاعدة بلاد السند — أقام بها حتى ينفذ أمر السلطان بقدومه وما يجري له من الضيافة، وإنما يكرم الإنسان هنالك بقدر ما يَظْهَر من أفعاله وتصرفاته وهمته، إذ لا يُعْرَف هنالك ما حَسَبُه ولا آباؤه.

ومن عادة ملك الهند السلطان أبي المجاهد محمد شاه إكرام الغرباء ومحبتهم، وتخصيصهم بالولايات والمراتب الرفيعة، ومعظم خواصه وحجابه ووزرائه وقضاته وأصهاره غرباء، ونفذ أمره بأن يسمى الغرباء في بلاده بالأعزة، فصار لهم ذلك اسمًا علمًا، ولا بُدَّ لكل قادِمٍ على هذا الملك من هدية يُهْدِيها إليه ويُقَدِّمها وسيلة بين يديه، فيكافئه السلطان عليها بأضعاف مضاعفة، وسيمر من ذكر هدايا الغرباء إليه كثير، ولما تعود الناس ذلك منه صار التجَّار الذين ببلاد السند والهند يعطون لكل قادم على السلطان الآلاف من الدنانير دَينًا، ويجهزونه بما يريد أن يهديه إليه أو يتصرف فيه لنفسه من الدواب للركوب والجمال والأمتعة، ويخدمونه بأموالهم وأنفسهم، ويقفون بين يديه كالحشم فإذا وصل إلى السلطان أعطاه العطاء الجزيل، فقضى ديونهم ووفاهم حقوقهم، فنفقت تجارتهم وكَثُرَتْ أرباحهم وصار لهم ذلك عادة مستمرة، ولما وصلت إلى بلاد السند سلكت ذلك المنهج واشتريت من التجَّار الخيل والجمال والمماليك وغير ذلك، ولقد اشتريت من تاجر عراقي من أهل تكريت يُعْرَف بمحمد الدوري بمدينة غزنة، نحو ثلاثين فرسًا وجملًا عليه حمل من النشاب، فإنه مما يهدى إلى السلطان، وذهب التاجر المذكور إلى خارسان ثم عاد إلى الهند وهنالك تقاضى مِنِّي ماله واستفاد بسببي فائدة عظيمة وعاد من كبار التجَّار، ولقيته بمدينة حلب بعد سنين كثيرة وقد سلبني الكفار مما كان بيدي، فلم أَلْقَ منه خيرًا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.