تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر أشجار بلاد الهند وفواكهها

فمنها العنبة (بفتح العين، وسكون النون، وفتح الباء الموحدة)، وهي شجرة تُشْبِه أشجار النارنج، إلَّا أنها أعظم أجرامًا وأكثر أوراقًا، وظِلُّها أكثر الظلال غير أنه ثقيل، فمن نام تحته وعك، وثمرها على قدر الإجَّاص الكبير، فإذا كان أخضر قبل تمام نضجه أخذوا ما سقط منه وجعلوا عليه الملح، وصَيَّرُوه كما يُصَيَّر الليم والليمون ببلادنا، وكذلك يُصَيِّرون أيضًا الزنجبيل الأخضر وعناقيد الفلفل، ويأكلون ذلك مع الطعام، يأخذون بأثر كل لقمة يسيرًا من هذه المملوحات، فإذا نضجت العنبة في أوان الخريف اصْفَرَّت حباتها فأكلوها كالتفاح، فبعضهم يقطعها بالسكين، وبعضهم يمصها مصًّا، وهي حلوة يمازج حلاوتها يسير حموضة، ولها نواة كبيرة يزرعونها فتنبت منها الأشجار، كما تُزْرَع نوى النارنج وغيرها، ومنها الشكي والبركي (بفتح الشين المعجم، وكسر الكاف، وفتح الباء الموحدة، وكسر الكاف أيضًا)، وهي أشجار عادية أوراقها كأوراق الجوز، وثمرها يخرج من أصل الشجرة، فما اتصل منه بالأرض فهو البركي، وحلاوته أشد ومطعمه أطيب، وما كان فوق ذلك فهو الشكي، وثمره يشبه القرع الكبار، وجلوده تشبه جلود البقر، فإذا اصْفَرَّ في أوان الخريف قَطَعُوه وشَقُّوه، فيكون في داخل كل حبة المائة والمائتان، فما بين ذلك من حبات تُشْبِه الخيار، بين كل حبة وحبة صفاق أصفر اللون، ولكل حبة نواة تُشْبِه الفول الكبير، وإذا شُوِيَتْ تلك النواة أو طُبِخَتْ يكون طَعْمُها كطعم الفول؛ إذ ليس يوجد هنالك، ويدخرون هذه النوى في التراب الأحمر فتبقى إلى سنة أخرى، وهذا الشكي والبركي هو خير فاكهة ببلاد الهند، ومنها التندو (بفتح التاء المثناة، وسكون النون، وضم الدال)، وهو ثمر شجر الآبنوس، وحباته في قدر حبات المشمش ولونها، وهو شديد الحلاوة، ومنها الجور (بضم الجيم المعقودة)، وأشجاره عادية ويشبه ثمرة الزيتون وهو أسود اللون، ونواه واحدة كالزيتون ومنها النارنج الحلو، وهو عندهم كثير.

وأمَّا النارنج الحامض فعزيز الوجود، ومنه صنف ثالث يكون بين الحلو والحامض، وثمره على قدر الليم وهو طيِّب جدًّا، وكنت يعجبني أكله، ومنها المهوا (بفتح الميم والواو)، وأشجاره عادية وأوراقه كأوراق الجوز إلَّا أن فيها حُمْرة وصُفْرة، وثَمَرُه مثل الإجَّاص الصغير شديد الحلاوة، وفي أعلى كل حبة منه حبة صغيرة بمقدار حبة العنب مجوفة وطعمها كطعم العنب، إلَّا أن الإكثار من أكلها يُحْدِث في الرأس صداعًا، ومن العجب أن هذه الحبوب إذا يُبِّسَتْ في الشمس كان مطعمها كمطعم التين، وكُنْتُ آكلها عوضًا من التين إذ لا يوجد ببلاد الهند، وهم يُسَمُّون هذه الحبة الأنكور (بفتح الهمزة، وسكون النون، وضم الكاف المعقودة والواو والراء)، وتفسيره بلسانهم العنب، والعنب بأرض الهند عزيز جدًّا، ولا يكون بها إلا في مواضع بحضرة دهلي وببلاد أُخَر، ويثمر مرتين في السنة، ونوى هذا الثمر يصنعون منه الزيت ويستصبحون به، ومن فواكههم فاكهة يسمونها كَسِيرَا (بفتح الكاف، وكسر السين المهمل وياء مد وراء)، يحفرون عليها الأرض، وهي شديدة الحلاوة تشبه القسطل، وببلاد الهند من فواكه بلادنا الرمان، ويثمر مرتين في السنة، ورأيته ببلاد جزائر ذيبة المهل لا ينقطع له ثَمَرٌ وهم يسمونه أنار (بفتح الهمزة والنون)، وأظن ذلك هو الأصل في تسمية الجلنار، فإن جُلْ بالفارسية الزهر ونار الرمان.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.