من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر الحبوب التي يزرعها أهل الهند ويقتاتون بها
وأهل الهند يزدرعون مرتين في السنة، فإذا نزل المطر عندهم في أوان القيظ زرعوا الزرع الخريفي وحصدوه بعد ستين يومًا من زراعته، ومن هذه الحبوب الخريفية عندهم الكذرو (بضم الكاف، وسكون الذال المعجم، وضم الراء وبعدها واو)، وهو نوع من الدخن وهذا الكذر، وهو أكثر الحبوب عندهم، ومنها القال (بالقاف) وهو شبه أنلي، ومنها الشاماخ (بالشين والخاء المعجمتين)، وهو أصغر حبًّا من القال، وربما نبت هذا الشاماخ من غير زراعة، وهو طعام الصالحين وأهل الورع، والفقراء والمساكين يَخْرُجون لِجَمْع ما نَبَتَ منه من غير زراعة، فيُمْسِك أحدهم قفة كبيرة بيساره وتكون بيمناه مقرعة يَضْرِب بها الزرع فيسقط في القفة، فيجمعون منه ما يقتاتون به جميع السنة، وحَبُّ هذا الشاماخ صغير جدًّا، وإذا جُمِعَ جُعِلَ في الشمس ثمَّ يُدَقُّ في مهاريس الخشب فيطير قشره ويبقى لُبُّه أبيض، ويصنعون منه عصيدة يطبخونها بحليب الجواميس وهي أطيب من خبزه، وكنت آكلها كثيرًا ببلاد الهند وتعجبني، ومنها الماش وهو نوع من الجلبان، ومنها المنج (بميم مضموم ونون وجيم)، وهو نوع من الماش إلَّا أن حبوبه مستطيلة ولونه صافي الخضرة، ويطبخون المنج مع الأرز ويأكلونه بالسمن، ويسمونه كشري (بالكاف والشين المعجم والراء)، وعليه يفطرون في كل يوم وهو عندهم كالحريرة ببلاد المغرب، ومنها اللوبيا وهي نوع من الفول، ومنها الموت (بضم الميم) وهو مثل الكذرو، إلَّا أن حبوبه أصغر، وهو من علف الدواب عندهم، وتَسْمُن الدواب بأكله.
والشعير عندهم لا قوة له وإنما علف الدواب من هذا الموت أو الحمص يجرشونه ويبلونه بالماء، ويطعمونه الدواب ويطعمونها عوضًا من القصيل أوراق الماش بعد أن تسقى الدابة السمن عشرة أيام في كل يوم مقدار ثلاثة أرطال أو أربعة، ولا تُرْكَب في تلك الأيام، وبعد ذلك يُطْعِمونها أوراق الماش كما ذكرنا شهرًا أو نحوه، وهذه الحبوب التي ذكرناها هي الخريفية، وإذا حصدها بعد ستين يومًا من زراعتها ازدرعوا الحبوب الربيعية، وهي القمح والشعير والحمص والعدس، وتكون زراعتها في الأرض التي كانت الحبوب الخريفية مزدرعة فيها، وبلادهم كريمة طيبة التربة، وأمَّا الأرز فإنهم يزرعونه ثلاث مرات في السنة، وهو من أكبر الحبوب عندهم، ويزدرعون السمسم وقصب السكر مع الحبوب الخريفية التي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، (ولنعد) إلى ما كنَّا بسبيله فأقول سافرنا من مدينة أبوهر في صحراء مسيرة يوم في أطرافها جبال منيعة، يسكنها كفار الهنود وربما قطعوا الطريق، وأهل بلاد الهند أكثرهم كفار، فمنهم رعية تحت ذمة المسلمين يسكنون القرى، ويكون عليهم حاكم من المسلمين يقدمه العامل أو الخديم الذي تكون القرية في إقطاعه، ومنهم عصاة محارَبون يمتنعون بالجبال ويقطعون الطريق.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع