تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر السلطان ناصر الدين ابن السلطان شمس الدين

ولما خُلِعَتْ رضية وَلِيَ ناصر الدين أخوها الأصغر، واستقلَّ بالملك مدة، ثم أن رضية وزوجها خَالَفَا عليه ورَكِبَا في مماليكهما ومن تبعهما من أهل الفساد وتهيأا لقتاله، وخرج ناصر الدين ومعه مملوكه النائب عنه غياث الدين بلبن متولي الملك بعده، فوقع اللقاء وانهزم عسكر رضية وفَرَّتْ بنفسها فأدركها الجوع وأجهدها الإعياء، فقصدتْ حَرَّاثًا رأتْهُ يحرث الأرض فطَلَبَتْ منه ما تأكله فأعطاها كسرة خبز فأكلتها، وغلب عليها النوم وكانت في زي الرجال، فلما نامت نَظَرَ إليها الحراث وهي نائمة، فرأى تحت ثيابها قباءً مرصعًا، فعلم أنها امرأة فقَتَلَها وسَلَبَها وطرد فرسها ودَفَنَهَا في فدانه، وأخذ بعض ثيابها فذهب إلى السوق ببيعها، فأنكر أهل السوق شأنه، وأتوا به الشحنة وهو الحاكم فضربه فأقر بقتلها، ودَلَّهُم على مدفنها فاستخرجوها وغَسَّلُوها وكَفَّنُوها ودُفِنَتْ هنالك وبُنِيَ عليها قبة، وقبرها الآن يُزَار ويُتَبَرَّك به، وهو على شاطئ النهر الكبير المعروف بنهر الجون على مسافة فرسخ واحد من المدينة، واستقلَّ ناصر الدين بالمُلْك بعدها، واستقام له الأمر عشرين سنة، وكان ملكًا صالحًا ينسخ نسخًا من الكتاب العزيز ويبيعها فيقتات بثمنها، وقد وقفني القاضي كمال الدين على مصحف بخطه مُتْقَن مُحْكَم الكتابة، ثم إنَّ نائبه غياث الدين بلبن قَتَلَه وملك بعده، ولبلبن هذا خبر ظريف نذكره.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.