تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر السلطان غياث الدين بلبن: حكاية

يُذْكَر أن أحد الفقراء ببخارى رأى بها بلبن هذا، وكان قصيرًا حقيرًا دميمًا، فقال له: يا تركك — وهي لفظة تُعْرِب عن الاحتقار — فقال له: لبيك يا خوند فأعجبه كلامه، فقال لي: اشْتَرِ لي من هذا الرمان — وأشار إلى رمان يباع بالسوق — فقال: نعم، وأَخْرَجَ فُلَيْسَات لم يكن عنده سواها، واشترى له من ذلك الرمان فلما أخذها الفقير، قال له: وهَبْنَاك مُلْك الهند فقَبَّلَ بلبن يد نفسه، وقال: قَبِلْتُ ورَضِيتُ، واستقرَّ ذلك في ضميره، واتفق أن بعث السلطان شمس الدين للمش تاجرًا يشتري له المماليك بسمرقند وبخارى وترمذ، فاشترى مائة مملوك كان من جملتهم بلبن، فلما دُخِلَ بالمماليك على السلطان أعجبه جميعهم إلا بلبن لِمَا ذَكَرْنَاه من دمامته، فقال: لا أقبل هذا، فقال له بلبن: يا خوند عالم لمن اشتريت هؤلاء المماليك؟ فضحك منه وقال: اشتريتهم لنفسي، فقال له: اشْتَرِنِي أنا لله — عز وجل — فقال: نعم، وقَبِلَه، وجعله في جملة المماليك، فاحْتُقِرَ شأنه وجُعِلَ في السقائين، وكان أهل المعرفة بعلم النجوم يقولون للسلطان شمس الدين: إن أحد مماليكك يأخذ المُلْكَ من يد ابنك ويستولي عليه، ولا يزالون يلقون له ذلك وهو لا يلتفت إلى أقوالهم لصلاحه وعدله، إلى أن ذَكَرُوا ذلك للخاتون الكبرى أم أولاده، فذكرت له ذلك وأَثَّرَ في نفسه وبعث على المنجمين، فقال: أتعرفون المملوك الذي يأخذ مُلْك ابني إذا رأيتموه؟ فقالوا له: نعم، عندنا علامة نعرفه بها.

فأَمَرَ السلطان بعَرْض مماليكه وجلس لذلك، فعُرِضُوا بين يديه طبقة طبقة والمنجمون ينظرون إليهم ويقولون: لم نَرَهُ بَعْدُ، وحان وَقْتُ الزوال، فقال السقاءون بعضهم لبعض: إنا قد جُعْنَا، فلنَجْمَع شيئًا من الدراهم ونبعث أحدنا إلى السوق ليشتري لنا ما نأكله، فجمعوا الدراهم وبعثوا بها بلبن إذ لم يكن فيهم أحقر منه، فلم يجد بالسوق ما أرادوه فتوجه إلى سوق أخرى وأبطأ، وجاءت نوبة السقائين في العرض وهو لم يَأْتِ بعد، فأخذوا زقَّه وماعونه وجعلوه على كاهل صبي وعرضوه على أنه بلبن، فلما نُودِيَ باسمه جاز الصبي بين أيديهم وانقضى العرض، ولم يَرَ المنجمون الصورة التي تَطَلَّبُوها، وجاء بلبن بعد تمام العرض لما أراد الله من إنفاذ قضائه، ثمَّ إنه ظَهَرَتْ نجابته فجُعِلَ أميرَ السقائين، ثمَّ صار من جملة الأجناد، ثمَّ من الأمراء، ثمَّ تزوج السلطان ناصر الدين بنته قبل أن يلي الملك، فلما ولي المُلْكَ جعله نائبًا عنه مدة عشرين سنة، ثمَّ قتله بلبن واستولى على ملكه عشرين سنة أخرى — كما تَقَدَّم ذِكْر ذلك — وكان للسلطان بلبن ولدان أحدهما الخان الشهيد ولي عهده، وكان واليًا لأبيه ببلاد السند ساكنًا بمدينة ملتان، وقُتِلَ في حرب له مع التتر، وترك ولدين كي قباد، وكي خسرو، ووَلَدُ السلطان بلبن الثاني يُسَمَّى ناصر الدين، وكان واليًا لأبيه ببلاد اللكنوتي وبنجالة، فلمَّا استشهد الخان الشهيد جَعَلَ السلطان بلبن العهد إلى ولده كي خسرو، وعَدَلَ به عن ابن نفسه ناصر الدين، وكان لناصر الدين أيضًا ولد ساكن بحضرة دهلي مع جده يسمى معز الدين، وهو الذي تولى الملك بعد جده في خبر عجيب نذكره، وأبوه إذ ذاك حي كما ذكرناه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.