من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر السلطان معز الدين بن ناصر الدين ابن السلطان غياث الدين بلبن
ولما توفي السلطان غياث الدين ليلًا وابنه ناصر الدين غائب ببلاد اللكنوتي، وجعل العهد لابن ابنه الشهيد كي خسرو حسبما قصصناه، كان ملك الأمراء نائب السلطان غياث الدين عدوًّا لكي خسرو، فأدار عليه حيلة تمت له وهي أنه كتب بيعة دلس فيها على خطوط الأمراء الكبار، بأنهم بايعوا معز الدين حفيد السلطان بلبن، ودخل على كي خسرو كالمتنصح له فقال له: إنَّ الأمراء قد بايعوا ابن عمك وأخاف عليك منهم، فقال له كي خسرو فما الحيلة؟ قال: انج بنفسك هاربًا إلى بلاد السند، فقال: وكيف الخروج والأبواب مسدودة؟ فقال له: إنَّ المفاتيح بيدي وأنا أفتح لك، فشكره على ذلك وقَبَّلَ يده، فقال: اركب الآن، فرَكِبَ في خاصته ومماليكه وفتح له الباب وأخرجه، وسد في أثره واستأذن على معز الدين فبايعه، فقال: كيف لي بذلك وولاية العهد لابن عمي؟ فأعلمه بما أدار عليه من الحيلة وبإخراجه، فشكره على ذلك ومضى به إلى دار الملك، وبعث إلى الأمراء والخواص فبايعوا ليلًا، فلما أصبح بايعه سائر الناس واستقام له الملك، وكان أبوه حيًّا ببلاد بنجالة واللكنوتي، فاتصل به الخبر، فقال أنا وارث الملك وكيف يلي ابني الملك ويستقل به وأنا بقيد الحياة؟ فتجهز في جيوشه قاصدًا حضرة دهلي وتجهز ولده في جيوشه أيضًا قاصدًا لمدافعته عنها، فتوافيا معًا بمدينة كرا وهي على ساحل نهر الكنك الذي تحج الهنود إليه، فنزل ناصر الدين على شاطئه مما يلي كرا ونزل ولده السلطان معز الدين مما يلي الجهة الأخرى والنهر بينهما وعزما على القتال.
ثمَّ إنَّ الله تعالى أراد حقن دماء المسلمين فألقى في قلب ناصر الدين الرحمة لابنه، وقال: إذا ملك ولدي فذلك شرف، وأنا أحق أن أرغب في ذلك، وألقى في قلب السلطان معز الدين الضراعة لأبيه، فركب كل واحد منهما في مركب منفردًا عن جيوشه والتقيا في وسط النهر، فقبل السلطان رجل أبيه واعتذر له فقال له أبوه: قد وهبتك ملكي ووليتك، وبايعه وأراد الرجوع لبلاده، فقال له ابنه: لا بُدَّ لك من الوصول إلى بلادي فمضى معه إلى دهلي، ودخل القصر وأقعده أبوه على سرير الملك ووقف بين يديه، وسمي ذلك اللقاء الذي كان بينهما بالنهر لقاء السعدين؛ لما كان فيه من حقن الدماء وتواهب الملك والتجافي عن المنازعة، وأكثرت الشعراء في ذلك، وعاد ناصر الدين إلى بلاده فمات بها بعد سنين، وترك بها ذرية منهم غياث الدين بهادور الذي أسره السلطان تغلق وأطلقه ابنه محمد بعد وفاته، واستقام الملك لمعز الدين أربعة أعوام بعد ذلك وكانت كالأعياد، رأيت بعض من أدركها يصف خيراتها ورخص أسعارها وجود معز الدين وكرمه، وهو الذي بنى الصومعة بالصحن الشمالي من جامع دهلي، ولا نظير لها في البلاد، وحكي لي بعض أهل الهند أن معز الدين كان يكثر النكاح والشرب، فأعثرته علة أعجز الأطباء دواؤها ويبس أحد شقيه، فقام عليه نائبه جلال الدين فيروزشاه الخلجي (بفتح الخاء المعجم واللام والجيم).
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع