تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر السلطان علاء الدين محمد شاه الخلجي

ولما قُتِلَ عمه استقل بالملك وفرَّ إليه أكثر عساكر عمه، وعاد بعضهم إلى دهلي واجتمعوا على ركن الدين وخرج إلى دفاعه، فهربوا جميعًا إلى السلطان علاء الدين وفرَّ ركن الدين إلى السند، ودخل علاء الدين دار الملك، واستقام له الأمر عشرين سنة، وكان من خيار السلاطين، وأهل الهند يُثْنُون عليه كثيرًا، وكان يتفقد أمور الرعية بنفسه ويسأل عن أسعارهم ويحضر المحتسب، وهم يسمونه الرئيس في كل يوم برسم ذلك، ويُذْكَر أنه سأله يومًا عن سبب غلاء اللحم فأخبره أن ذلك لكثرة المغرم على البقر في الرتب، فأمر برفع ذلك وأَمَرَ بإحضار التجَّار وأعطاهم الأموال، وقال لهم: اشتروا بها البقر والغنم وبيعوها ويرتفع ثمنها لبيت المال، ويكون لكم أجرة على بيعها. ففعلوا ذلك وفعل مثل هذا في الأثواب التي يؤتى بها من دولة أباد، وكان إذا غلا ثَمَنُ الزرع فَتَحَ المخازن وباع الزرع حتى يرخص السعر، ويُذْكَر أن السعر ارتفع ذات مرة فأمر ببيع الزرع بثمن عينه، فامتنع الناس من بيعه بذلك الثمن، فأمر ألَّا يبيع أحد زرعًا غير زرع المخزن، وباع للناس ستة أشهر فخاف المحتكرون فساد زرعهم بالسوس، فرغبوا أن يؤذن لهم في البيع، فأذن لهم على أن يبيعوه بأقل من القيمة الأولى التي امتنعوا من بيعه بها، وكان لا يركب لجمعة ولا لعيد ولا سواهما؛ وسبب ذلك أنه كان له ابن أخ يسمى سليمان شاه وكان يحبه ويعظمه، فركب يومًا إلى الصيد وهو معه وأضمر في نفسه أن يفعل به ما فعل هو بعمه جلال الدين من الفتك، فلمَّا نزل للغداء رماه بنشابة فصرعه وغطاه بعض عبيده بترس، وأتى ابن أخيه ليُجْهِز عليه فقال له العبيد: إنه قد مات، فصَدَّقَهم، وركب فدخل القصر على الحرم وأفاق السلطان علاء الدين من غشيته، وركب واجتمعت العساكر عليه، وفرَّ ابن أخيه فأُدْرِكَ وأُتِيَ به إليه فقتله، وكان بعد ذلك لا يركب.

وكان له من الأولاد خضر خان، وشادي خان، وأبو بكر خان، ومبارك خان وهو قطب الدين الذي وَلِيَ الملك، وشهاب الدين وكان قطب الدين مهتضمًا عنده ناقص الحظ قليل الحظوة، وأعطى جميع إخوته المراتب، وهي الأعلام والأطبال ولم يعطه شيئًا، وقال له يومًا: لا بُدَّ أن أعطيك مثل ما أعطيت إخوتك، فقال له: الله هو الذي يعطيني، فهال أباه هذا الكلام وفَزِعَ منه، ثم إنَّ السلطان أصابه المرض الذي مات منه، وكانت زوجته أم ولده خضر خان وتسمى ماء حق، والماء القمر بلسانهم، لها أخ يسمى سنجر، فعَاهَدَتْ أخاها على تمليك ولدها خضر خان، وعلم بذلك ملك نائب أكبر أمراء السلطان وكان يسمى الألفي؛ لأن السلطان اشتراه بألف تنكة، وهي ألفان وخمسمائة من دنانير المغرب، فوشى إلى السلطان بما اتفقوا عليه، فقال لخواصه: إذا دخل عليَّ سنجر فإني معطيه ثوبًا، فإذا لبسه فأمسكوا بأكمامه واضربوا به الأرض واذبحوه، فلمَّا دَخَلَ عليه فعلوا ذلك وقتلوه، وكان خضر خان غائبًا بموضع يقال له سندبت على مسيرة يوم من دهلي توجه لزيارة شهداء مدفونين به لنذر كان عليه أن يمشي تلك المسافة راجلًا ويدعوا لوالده بالراحة، فلمَّا بلغه أن أباه قَتَلَ خاله حزن عليه حزنًا شديدًا ومزق جيبه، وتلك عادة لأهل الهند يفعلونها إذا مات لهم من يعز عليهم، فبلغ والده ما فَعَلَه فكَرِهَ ذلك، فلمَّا دخل عليه عَنَّفَه ولامه، وأمر به فقُيِّدَت يداه ورجلاه وسَلَّمَه لملك نائب المذكور، وأَمَرَهُ أن يَذْهَب به إلى حصن كاليور وضبطه (بفتح الكاف المعقودة، وكسر اللام، وضم الياء آخر الحروف آخره راء)، ويقال له أيضًا كيالير بزيادة ياء ثانية، وهو حصن منقطع بين كفار الهنود منيع على مسيرة عشر من دهلي وقد سكنته أنا مدة، فلمَّا أوصله إلى هذا الحصن سلمه للكتوال، وهو أمير الحصن وللمفردين وهم الزماميون، وقال لهم: لا تقولوا هذا ابن السلطان فتكرموه، إنما هو أعدى عدو له فاحفظوه كما يحفظ العدو، ثم إنَّ المرض اشتدَّ بالسلطان فقال لملك نائب ابعث من يأتي بابني خضر خان لأوليه العهد، فقال له نعم وماطله بذلك، فمتى سأله عنه قال هو ذا يصل إلى أن توفي السلطان رحمه الله.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.