من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر السلطان قطب الدين بن السلطان علاء الدين
وخلع قطب الدين أخاه شهاب الدين، وقَطَعَ أصبعه وبعث به إلى كاليور فحُبِسَ مع إخوته واستقام الملك لقطب الدين، ثمَّ إنه بعد ذلك خرج من حضرة دهلي إلى دولة إياد، وهي على مسيرة أربعين يومًا منها، والطريق بينهما تكتنفه الأشجار من الصفصاف وسواه، فكأن الماشي به في بستان، وفي كل ميل منه ثلاث داوات وهي البريد، وقد ذكرنا ترتيبه، وفي كل داوة جميع ما يحتاج المسافر إليه فكأنه يمشي في سوق مسيرة الأربعين يومًا، وكذلك يتصل الطريق إلى بلاد التلنك والمعبر مسيرة ستة أشهر، وفي كل منزلة قصر للسلطان وزاوية للوارد والصادر فلا يفتقر الفقير إلى حَمْل زاد في ذلك الطريق، ولما خرج السلطان قطب الدين في هذه الحركة اتفق بعض الأمراء على الخلاف عليه وتولية ولد أخيه خضر خان المسجون وسِنُّه نحو عشرة أعوام، وكان مع السلطان فبلغ السلطان ذلك فأخذ ابن أخيه المذكور وأمسك برجليه وضَرَبَ برأسه إلى الحجارة حتى نثر دماغه، وبعث أحد الأمراء ويسمى ملك شاه إلى كاليور، حيث أبو هذا الولد وأعمامه وأَمَرَهُ بقتلهم جميعًا، فحدثني القاضي زين الدين مبارك قاضي هذا الحصن قال: قَدِمَ علينا ملك شاه ضحوة يوم وكنت عند خضر خان بمحبسه، فلما سمع بقدومه خاف وتغيَّر لونه ودخل عليه الأمير فقال له: فيما جئت؟ قال في حاجة خوند عالم، فقال له نفسي سالمة؟ فقال: نعم، وخرج عنه واستحضر الكتوال وهو صاحب الحصن والمفردين وهم الزماميون، وكانوا ثلاثمائة رجل وبعث عني وعن العدول، واستظهر بأمر السلطان فقرءوه، وأتوا إلى شهاب الدين المخلوع فضربوا عنقه وهو متثبت غير جزع، ثمَّ ضربوا عنق أبي بكر خان وشادي خان.
ولما أتوا ليضربوا عنق خضر خان فزع وذهل، وكانت أمه معه فسدوا الباب دونها وقتلوه، وسحبوهم جميعًا في حفرة بدون تكفين ولا غسل، وأُخْرِجُوا بعد سنين فدُفِنُوا بمقابر آبائهم، وعاشت أم خضر خان مدة ورأيتها بمكة سنة ثمانٍ وعشرين، وحصن كاليور هذا في رأس شاهق كأنه منحوت من الصخر، لا يحاذيه جبل وبداخله جباب الماء ونحو عشرين بئرًا عليها الأسوار مضافة إلى الحصن، منصوبًا عليها المجانيق والرعادات، ويصعد إلى الحصن في طريق متسعة يصعدها الفيل والفرس، وعند باب الحصن صورة فيل منحوت من الحجر وعليه صورة فيال، وإذا رآه الإنسان على البعد لم يشك أنه فيل حقيقة، وأسفل الحصن مدينة حسنة مبنيَّة كلها بالحجارة البيض المنحوتة مساجدها ودورها، ولا خشب فيها ما عدا الأبواب وكذلك دار الملك بها والقباب والمجالس وأكثر سوقتها كفار، وفيها ستمائة فارس من جيش السلطان لا يزالون في جهاد لأنها بين الكفار، ولما قَتَلَ قطب الدين إخوته واستقلَّ بالملك، فلم يَبْقَ مَنْ ينازعه ولا من يُخَالِف عليه بعث الله تعالى عليه خاصته الحظي لديه أكبر أمرائه وأعظمهم منزلة عنده ناصر الدين خسرو خان، ففَتَكَ به وقَتَلَه واستقلَّ بملكه إلا أن مُدَّتَه لم تَطُلْ في الملك، فبعث الله عليه أيضًا مَنْ قَتَلَهُ بَعْد خَلْعه وهو السلطان تغلق حسبما يُشْرَح ذلك كله مستوفًى إن شاء الله تعالى أثر هذا ونسطره.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع